اليوم : الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439هـ الموافق:12 ديسمبر 2017م
الطريقة العروسية.. أساطير وخرافات!!
تاريخ الإضافة: السبت 12 رمضان 1434هـ

الطريقة العروسية.. أساطير وخرافات!!

موقع الصوفية: مصطفى محمود

عرَفَت ليبيا التصوفَ في صورته الطُّرُقية خلال القرن السابع الهجري عندما وفدت إليها الطريقةُ الشاذلية التي أسسها أبو الحسن الشاذلي المُتوَفَّى عام 656 من الهجرة، ومما يرجح(1) كون الطريقة الشاذلية هي أولى الطرق دخولاً إلى ليبيا وقوع القطر الليبي بين موطنيْ انتشار هذه الطريقة أعني تونس (الجارة الغربية) ومصر (الجارة الشرقية)، يضاف إلى ذلك أن أقدم الطرق الصوفية المنتشرة إلى الآن في ليبيا، كالعروسية والزروقية والعيساوية، هي من فروع الطريقة الشاذلية.

ويبرز على المشهد الصوفي في ليبيا عددٌ من الطرق تختلف فيما بينها من جهة الانتشار وأعداد المريدين، وهي: الطريقة العروسية، الزروقية، العيساوية، السنوسية، القادرية، الرفاعية، المدنية، العلاوية، الخليلية، الدسوقية أو البرهانية، التيجانية، والطريقة الجعفرية. وجميع هذه الطرق لها حضور وزوايا في ليبيا، إلا أنه يوجد أعداد قليلة تنتسب لبعض الطرق الصوفية التي لم تدخل إلى ليبيا بشكل رسمي كالنقشبندية والخلوتية(2).

وتشير بعض الإحصاءات الرسمية إلى أن ليبيا تحتضن 659 زاوية صوفية تتوزع على عموم البلاد، نصفُها خالٍ أو شبه خالٍ من المريدين. وهو عددٌ محدودٌ جدًا(2) إذا ما قورن بالانتشار الصوفي في دول الجوار كبلاد المغرب العربي أو مصر.

العروسية ومؤسسها

وأكثر الطرق الصوفية انتشارًا في ليبيا هي "الطريقة العروسية" وهي من الطرق المتفرّعة عن الطريقة الشاذليّة، وتُنسبُ إلى مؤسسها أبي العباس أحمد بن عروس الذي وُلد في تونس وتُوفِّي ودُفنَ بها عام 868 هـ (=1464م). وأرباب الطريقة يبالغون في شأنه مبالغة فاحشة حتى إن المُطالع لتراجم الرجل ليكاد يجزم أنه لو استقام لهم أن ينسبوا إليه النبوة والرسالة لفعلوا، حتى قال أحدُهم: "لو كانت النبوءة تُنال بالمجاهدة والعبادة لنالها سيدي أحمد بن عروس"(3). ويذكرون في ترجمته أنه قد "جاء في هذه الطريقة بالعجب العجاب ولم يقدر عليه أحدٌ من أهل الكشف"(4).

وأما عن كراماته ومناقبه التي تُنسب إليه، فهي بحسب تراجمه "كثيرةٌ لا يحصيها أحدٌ، وقد أنطقه الله بجميع المغيبات وخرق له العادات وأظهر على يديه العجائب وأجرى على لسانه الفوائد والأحكام"(5). والمدقق فيما يدعونه من كرامات للرجل يدرك أنه لا يحتاج إلى بذل كثير جهد أو بحث للوقوف على عوارها وأنه لا يصح شرعًا نسبتُها إلى مَلَكٍ مقرَّب فضلاً عن آحاد البشر. وسنأتي على شيء من ذكرها لاحقًا إن شاء الله.

و"العروسية" إحدى أقدم الطرق دخولاً إلى ليبيا نظرًا لقرب تلك البلاد جغرافيًّا من موطن مؤسس الطريقة (تونس)، ويمتد انتشارها أيضًا إلى المغرب ومصر واليمن. ويُرجِعُ بعضُ الباحثين(6) بقاء العروسية قوية أمام مدّ الطرق الصوفية الأخرى في ليبيا خاصةً في غرب البلاد، إلى ارتباط الطريقة بقبيلة الفواتير، وهي قبيلة كثيرة العدد يُنظر إليها على أنها "معدن الولاية والبركة"(7)، ويتناقلون في شأنهم مقولة المتصوف المغربي الشهير أحمد زروق البرنسي: "الفواتير والزاوية ينبتان الأولياء كما تنبت الأرض الطيبة الزعفران"(7).

مجدد الطريقة العروسية

ويقودنا ذكرُ ارتباط العروسية بقبيلة الفواتير إلى الحديث عن "عبد السلام بن سليم الأسمر الفَيْتُوري"، أحد أبرز رؤوس الطريقة، بل هو أحد كبار المتصوفة بشكل عام خلال القرن العاشر الهجري. وقد انتشرت العروسية انتشارًا واسعًا في حياته حتى وُصف بأنه "المجدِّدُ الحقيقي" للطريقة. وهو الشيخ الأشهر بين مشايخ الطريقة العروسية، ونظرًا لجهوده وخدمته للطريقة؛ فإنه يطلق عليها أيضًا "العروسية الأسمرية" و"السَّلامية" نسبةً إليه.

وقد وُلد عبد السلام الأسمر في زِلِيتِنْ سنة (880هـ)، وتلقى الطريقة العروسية على يدي شيخه عبد الواحد الدوكالي، ولم يزل في خدمة الطريقة حتى وافتْه منيتُه سنة(981 هـ)، ودُفن بزاويته المعروفة في زليتن(8).

وتُنسجُ حول الرجل الكثير من الخرافات والأساطير، ويُنسب إليه العديد من الخوارق، على عادة الطُّرُقيين في نسبة مثل هذه الأمور إلى مشايخ طرقهم، أو أن يبلغ تلاعبُ الشيطان بالشيخِ نفسِه مبلغَه فينسب إلى نفسه هذه الخوارق والمغيبات، معتبرًا أنها من باب الكرامات والمناقب التي يدلِّس بها على مريديه ويخدعهم بها؛ ليزداد رفعةً وشأنًا بين أهل الطريقة، والحال هكذا مع الأسمر الذي يصفونه بـ"القطب الغوث" وهي أعلى مراتب "الولاية" المزعومة لديهم.
يقول الطيب بن طاهر المصراتي في كتابه (فتح العلي الأكبر في تاريخ حياة سيدي عبدالسلام الأسمر)(9):

"وكان لا يحب البنادير(10) ولا أهلها ولا المجاذيب ولا قربهم... ثم ذات يوم قصد زيارة قبور أجداده أولاد سليمان السبعة، فلما وصل وجد بإزاء قبورهم طائفة من المغاربة يضربون الدفوف وينشدون أشعاراً... لمّا سمعهم سيدي عبد السلام خر مغشيا عليه، وأخذه حال البكاء والجذب، وبقي يشطح حتى أصابه حالٌ عظيم. وأمر الطائفة أن يضربوا له الدفوف إلى أن بلغَ ذلكَ الشيخَ الدوكالي؛ فتغير من ذلك ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يُضل من يشاء. ثم أمر العبيد بالإتيان به، فأتوا به مغلالا ووضعه في السجن وجعل عليه حراسًا. وجاءت إليه جماعة من الأشراف والقبائل وطلبوا منه إطلاقه من السجن وإعطاءه الإذن له في ضرب البندير فامتنع، وقال: من أعان إنسانا على معصية كان شريكا له فيها، لأن ضرب البندير معصية وليس بقربى. إلى أن قال لهم: إن الله لا يعبد بالشطح ولا بالردح ولا بالدفوف ولا بالكفوف" أ.هـ.

ومن الغريب أن يعتبر بعض الباحثين(11) هذا الموقف الذي مرَّ بعبد السلام الأسمر، حين أخذه هذا الجذب والشطح بأنه "نقطة تحول في سموه الروحي"، ولا ندري متى كان بدء الانسياق وراء الخرافات والضلالات والرقص على أصوات المعازف والغناء من السمو الروحي إلا على مذهب مبتدعة المتصوفة وضُلالهم، وصدق شيخُه الدوكالي حين قال بادئ الأمر: إن "الله لا يُعبد بالشطح ولا بالردح ولا بالدفوف ولا بالكفوف".

واشتُهرت تلك الحال من الرقص وضرب الدفوف عن عبد السلام الأسمر ومريديه، كما يقول الدكتور تقي الدين الهلالي(12): "كان في تلك الديار (طرابلس الغرب) شيخٌ متصوّف اسمُه عبد السلام الأسمر كان يرقص مع أصحابه ويضربون بالدفوف حتى يخروا صرعى على الأرض ويعتقدون أن الدف الذي كان يضرب به الشيخ عبد السلام نزل من الجنة، وكان يضرب به علي بن أبي طالب للنبي" صلى الله عليه وآله وسلم.

ولقصة عبد السلام الأسمر مع البنادير بقيةٌ هي أقرب إلى الأساطير والخرافات منها إلى الواقع. وهي كما ينقلها الطيب المصراتي ساردًا قصة خروجه من السجن:

"ثم أتاه شيخٌ بالإذن من أولياء الله وهو في السجن على صورة طير يطير في الهواء، وصفَّق بجناحيه وغرّد ثلاثا؛ فلما سمع الشيخ وهو بالسجن، خرق السجنَ وطار ونزل على شجرة، فنزل عليه بندير وفيه خمسة أوتار وخمسة جلاجل من عند أهل الله فهبط وهو في يده اليمنى. فتعجب من ذلك، وشاع الخبرُ حتى وصل شيخَه الدوكالي فبالغ في الإنكار عليه حتى قال: لا يسوغ ضرب البندير مطلقاً ! نزل من السماء أو خرج من الأرض"(13).

وإزاء هذا الإنكار الشديد من شيخه، لم يَجِدْ عبد السلام الأسمر بُدًّا من اللجوء إلى شيخِ شيخه (فتح الله أبو رأس القيرواني) ليستعين به على إقناع شيخه الدوكالي بإجازة الضرب بالبندير، وبالفعل كان له ما أراد، فقد اقتنع الدوكالي في الأخير بمذهب تلميذه في ضرب الدفوف والسماع، بل إنه عندما استمع له يضرب بالبندير وينشد بعض أبيات الشعر "إذا بالشيخين (الدوكالي والقيرواني) قد أخذهما الجذب والارتعاش وقاما يرقصان، فأما الشيخ الدوكالى فقد أُغمي عليه وسقط على الأرض يتقلَّبُ يمينا وشِمالا نحو الساعتين، وأما الشيخ فتح الله فقد بقى قائما يميد كالسكران"(14).

وعندئذٍ نال الأسمر من شيخه الدوكالي إجازةً سندُها عالٍ بالانخراط في تلك البدعة، حيث قال له: "يا عبد السلام؛ قد صرح لك أهلُ السموات والأرض في ضرب البندير أنت ومَن تبعك وما قلتُ لك هذا إلا بإذن من الله ورسوله وجميع أنبيائه وأوليائه والملائكة والجن والطير والوحوش والحور العين وكل ناطق وجامد"(14).

ولا ندري من أين جاء الدوكالي بهذا التصريح المنسوب إلى أهل السموات والأرض؟!، بل ولا نعلم من أين أتاه هذا الإذن من الله تبارك وتعالى، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وسائرِ من ذكر؟!!. ومعروفٌ أن الوحي قد انقطع بموت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

والقصة في سردها تضمنت كما ذكرنا ما يشبه الأساطير فشيخ من أولياء الله يأتيه على صورة طير، والأسمر يخرق جدران مَحْبَسِه ويفر طائرًا هو الآخر، ولا يهبط إلا وفي يده بندير من أهل الله أو من الجنة، هو ذاك البندير الذي حُبس لأجله، والآن عاد به من الجنة، ليكون أدعى إلى فتنة الناس به وترويج ضلاله عليهم.. إنها بالفعل أسطورة نسج أحداثَها وأحكم فصولَها خيالٌ مريضٌ، ومن عجيب الأمر أن نجد من العروسيين من يصدقها ويؤمن بأدق تفاصيلها، رغم أنك لو ذهبتَ تقنع بها طفلاً صغيرًا لأعياك ذلك ولَمَا قبِلَها منك!!.

وأما ما خلصتِ القصةُ إلى إباحته، على مذهب المتصوفة، من ضرب الدفوف والرقص والسماع، فيُجاب عليه بما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن "مذهب الأئمة الأربعة أن آلات اللهو كلها حرام، ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون من أمته من يستحل الحر والحرير والخمر والمعازف، وذكر أنهم يمسخون قردة وخنازير،.. ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعا"(15).

وقال ابنُ القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان(16): "مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب، وقوله فيه من أغلظ الأقوال، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف، حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد بها الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر، هذا لفظهم، ورووا في ذلك حديثا لا يصح رفعه...".

واستثنى العلماء من هذا التحريم الدف -بغير جلاجل أو أوتار- في الأعياد والنكاح للنساء(17). وكما مرَّ بنا فإن بندير عبد السلام الأسمر كان له خمسة أوتار وخمسة جلاجل؛ فالضرب به محرم في شرع الله عزَّ وجل، فكيف يكون محرمًا ويتخذه الأسمر ومريدوه وسيلةً يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، خاصةً وقد اجتمع معه الرقص المنهي عنه شرعًا، كما يقول(18) الإِمَامُ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ: قَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الرَّقْصِ فَقَالَ: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً) [الإسراء: 37] وَذَمَّ الْمُخْتَالَ. والرقص أشد المرح والبطر. أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقها فِي الْإِطْرَابِ وَالسُّكْرِ، فَمَا بَالُنَا لَا نَقِيسُ الْقَضِيبَ وَتَلْحِينَ الشِّعْرِ مَعَهُ عَلَى الطُّنْبُورِ وَالْمِزْمَارِ والطبل لاجتماعها. فَمَا أَقْبَحَ مِنْ ذِي لِحْيَةٍ، وَكَيْفَ إِذَا كان شيبةً، يَرْقُصُ وَيُصَفِّقُ عَلَى إِيقَاعِ الْأَلْحَانِ وَالْقُضْبَانِ، وَخُصُوصًا إِنْ كَانَتْ أَصْوَاتٌ لِنِسْوَانٍ وَمُرْدَانٍ، وَهَلْ يَحْسُنُ لِمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَوْتُ وَالسُّؤَالُ وَالْحَشْرُ وَالصِّرَاطُ، ثم هُوَ إِلَى إِحْدَى الدَّارَيْنِ، يَشْمُسُ بِالرَّقْصِ شَمْسَ البهائم، ويصفق تصفيق النسوان.

انحرافات العروسية

والطريقة العروسية، شأنها شأن سائر الطرق الصوفية، انغمست في كثير من الخرافات والضلالات، ووقعت في العديد من البدع والانحرافات التي نحاول أن نرصد شيئًا منها في السطور التالية.

1. مؤسس الطريقة يقول: "أنا الله" !!!

جاء في الوصية الكبرى لعبد السلام الأسمر الفيتوري وهو يتحدث عن أحمد بن عروس مؤسس الطريقة: " إخواني: لو كانت النبوءةُ تُنال بالمجاهدة والعبادة لنالها سيدي أحمد بن عروس، وقد تكلم بلسان الحال في آخر عمره إلى أن قال: أنا لكل جبار عنيد نقمة، أنا لكل شيطانٍ مريدٍ ذو فتنة، أنا لكل مَن عثر جوادُه أو فرسُه من أصحابي وفقرائي وأولادي وعترتي وأحبابي إلى يوم القيامة حتى بلغ يقول: أنا الله كذا وكذا، أنا هو كذا وكذا، ونعلم بكذا وكذا، والكون كذا وكذا..."(19).

ولا يقول بهذا أحدٌ إلا من فرط جهله وتلاعب الشياطين به، وهو قول ملاحدة الصوفية والزنادقة منهم القائلين بعقيدة الحلول والاتحاد، من أمثال ابن عربي والحلاج. ومثلما ذهب سلف هذه الأمة من العلماء إلى تكفير ابن عربي والحلاج عندما نطقوا بما نطقوا به من كفر وإلحاد، فكذلك أنكر علماء إفريقية على ابن عروس قوله وأفتوا بتكفيره، وحين أنكر العلماء عليه "انفرد عنهم من ساعته ومكث سنة في داره لا يخرج إلا الجمعة إلى أن مات..."(19).

وإذا كان قد بلغ به الحال إلى القول "أنا الله"، فلا حاجة إذن لإتيان المساجد لأداء الصلوات المكتوبات، وتكفيه الجمعة ذرًّا للرماد في العيون حتى لا يُقال ضيَّع الصلاة بالكلية. وقد فعل.

2. خرافات لا كرامات:

مَن أعمل النظر في تراجم مؤسس الطريقة العروسية (ابن عروس)، ومجددها (عبد السلام الأسمر)، يجد الكثير مما يطلقون عليه كرامات أو مناقب وما هي إلا خرافات وأساطير اختلقوها من نسج خيالهم وإغواء شياطينهم ليلبّسوا على الناس أمرَ دينهم ويروجوا لديهم باطلَهم.

فابنُ عروس عند القوم "له مناقب كثيرة لا يحصيها أحدٌ وقد أنطقه الله بجميع المغيبات وخرق له العادات وأظهر على يديه العجائب وأجرى على لسانه الفوائد والأحكام"(20).
ومن هذه العجائب أنه عندما "وجدوه ميتا ممدودا في ثيابه لا روح فيه فغمضوه فتكلم رضي الله عنه وهو ميت ثم غسَّلوه وكفنوه وحملوه في نعش فتكلم وهو في النعش وتكلم أيضًا حين وضعوه في القبر"(21).

وقد مرَّ بنا رواية فرار عبد السلام الأسمر من سجنه وكيف هرب طائرًا مخترقًا الجدران، قبل أن يهبط ومعه هذا البندير من الجنة!!.
وبأدنى تأمُّل في هذه الخوارق نجد أنها لا تتصل بسبب بكرامات الأولياء التي وضع لها أهل العلم ضوابط حتى تتمايز عن تلك الخوارق والعوارض الشيطانية.
ومن أهم هذه الضوابط(22):

1 ـ أن يكون صاحبُ الكرامةِ مؤمنًا تقيًّا.

2 ـ أن لا يدَّعيَ صاحبُها الولاية؛ لأنها أولاً دعوى علم الغيب، ولأنها ثانيًا تزكية للنفس.

3ـ أن لا تكون سببًا في ترك شيءٍ من الواجبات؛ لأنَّ الكرامة حصلت بسبب طاعة الله تعالى، ويلزم من ذلك ألا تخالف ما كان سببًا في حصولها.

4 ـ أن لا تخالف أمرًا من أمور الدِّين، كإسقاط التكاليف أو استباحة الحرام بسببها.

وواضح أن ما مرَّ بنا من خوارق ابن عروس أو عبد السلام الأسمر لا يخلو من ناقض أو أكثر من تلك الضوابط التي وضعها أهل العلم ليسهُلَ على المسلمين التفريقُ بين أصحاب الكرامات وأصحاب الضلالات.

3. استخدام التقية وكتمان بعض معتقداتهم:

يقول عبد السلام الأسمر: "إخواني، وسنذكر لكم كلامًا في المغيَّبات لكن يجب الإمساك عنها إلا لأهله الذين يكتمونه، ولا ينبغي إظهاره للسفهاء الذين يلحقون به إلى الأمراء والجبابرة وأهل الدنيا"(23).

وتكشف وصية الأسمر لمريدي العروسية بكتمان هذه المعتقدات والآراء، عن بطلانها وفسادها وخشيته من اطلاع أهل العلم الثقات عليها فيُفتضح أمره ويظهر للناس عوار مذهبه. وهذا أمرٌ متفشٍ لدى المتصوفة، حيث يعتقد المتصوفة أن لديهم أسرارًا إلهية يخفونها عن غير أرباب الطريق. فقد نقل الشعراني عن الجنيد أنه "كان يستر كلام أهل الطريق عمن ليس منهم، وكان يستتر بالفقه والإفتاء على مذهب أبي ثور، وكان إذا تكلم في علوم القوم أغلق باب داره، وجعل مفتاحه تحت وركه"(24). وأيضا روى عن الشاذلي أنه كان يقول: "امتنعت عني الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رأيته، فقلت: يا رسول الله، ما ذنبي؟ فقال: إنك لست بأهلٍ لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا"(25).

وتتجلى خطورة هذا المسلك لدى المتصوفة في أنهم أخذوه "من الشيعة ليكونوا حزبا سرّيا يعمل في الخفاء لهدم مبادئ الإسلام وتعاليمه، ولتأسيس ديانة جديدة تعمل لتوهين القوى الإسلامية ونشاط المسلمين لنشر الكتاب والسنة، والتقاعد عن الجهاد والغزوات، وبناء المجتمع الإسلامي على أسس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم"(26).

4. الصحابة رضوان الله عليهم كانوا عروسيين!!

ومن تمجيده الفجّ في شأن الطريقة العروسية، نجد عبد السلام الأسمر يدعي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا على هذه الطريقة؛ فيقول: "إخواني: اعلموا رحمكم الله أن هذه الطريقة العروسية الراجعة إلى الشاذلية هي أقرب الطرق إلى الله وهي لبها فمن حلف بالله أن هذه الطريقة الشاذلية هي التي كانت عليها بواطن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو بارٌّ في يمينه ولم يحنث"(27).

وهذا من أبشع الكذب على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه حطٌّ من مكانتهم السامقة في الإسلام التي لا تخفى على أحد، ومن الجهل والغباء نسبتهم رضوان الله عليهم إلى الطرق الصوفية أو أنهم كانوا على العروسية أو الشاذلية، والذي يظهر أن الرجل أراد أن يُعلي من شأن طريقته فهداه تفكيره إلى أن يزعم هذا الزعم ويفتري هذه الكذبة، وظني أنه لو صحَّ له نسبتُها إلى النبي صلى الله عليه وسلم رأسًا دون أن يشنّع عليه أحدٌ لفعل، وما ذلك منهم بمستغرب.

5. أوراد بدعية:

المتتبعُ لأوراد الطريقة العروسية التي وضعها عبد السلام الأسمر، يجد أنها على ثلاثة أقسام(28): الوظائف، والأحزاب، والأوراد اليومية الضرورية.
- فالوظائف أربعة: وظيفة الحضرة، الوظيفة الأسمرية، الوظيفة الزروقية، والْوَظيِفَةُ اللَّطِيفِيَّةُ الحَطَّابِيَّةُ.

ولكل وظيفةٍ من هذه الوظائف وقتٌ محدد خلال اليوم أو الأسبوع تُقرأ فيه.

_ والأحزاب أيضًا أربعة، هي: الحزب الكبير، حزب الطمس، حزب الخوف، حزب الفلاح والنجاح.

ولكل حزب أيضًا وقتٌ مختار من اليوم أو حالةٌ بعينها يقرأ عندها.

_ أما الأوراد اليومية الضرورية فهي نوعان: نوع يقال مرة واحدة في اليوم وتقضى إن فاتته لعذر، وهي تنقسم بدورها إلى ثلاثة أوراد: أولها ثلاث مائة تسبيحة، وثانيها تسعمائة تسبيحة، وثالثها ألف وستمائة تسبِيحة. والنوع الآخر هو ما يُكرَّرُ دُبُرَ كُلِّ صلاة.

ودون الخوض في تفاصيل هذه الأوراد التي لا تخلو من محاذير شرعية، نقول إنه ينسحب على أوراد الطريقة العروسية ما ينسحب على أوراد سائر الطرق الصوفية، فإن كان الذكر واردًا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم فنجدهم قد خصصوه بوقت محدد أو بعدد أو كيفية معينة فوقعوا بذلك فيما يسميه العلماء بـ"البدعة الإضافية" التي يكون أصلها مشروعاً دون وصفها، فالبدعة لحقت هذه الأذكار من جهة اختراع الكيفية أو تحديد المقدار والزمن.

وإن كان الذكر لم يرد في السنة، أو لا تقوم به حجة لأنه لا يصح من جهة الإسناد أو المتن، فعندئذٍ يُنظر فيه فإن كان يتضمن محذورا شرعيًّا فيُطرح بالجملة ولا يُلتفت إليه، وإن خلا من تلك المحاذير جاز الذكر أو الدعاء به في بعض الأحيان دون التزامه والمدوامة عليه، وفي هذه الحالة أيضًا لابد من تقرير أن أفضل الأوراد والأذكار هو ما نقل لفظُه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لَا رَيْبَ أَنَّ الْأَذْكَارَ وَالدَّعَوَاتِ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ، وَالْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ، وَالِاتِّبَاعِ، لَا عَلَى الْهَوَى وَالِابْتِدَاعِ، فَالْأَدْعِيَةُ وَالْأَذْكَارُ النَّبَوِيَّةُ هِيَ أَفْضَلُ مَا يَتَحَرَّاهُ الْمُتَحَرِّي مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَسَالِكُهَا عَلَى سَبِيلِ أَمَانٍ وَسَلَامَةٍ، وَالْفَوَائِدُ وَالنَّتَائِجُ الَّتِي تَحْصُلُ لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانٌ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ إنْسَانٌ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ الْأَذْكَارِ قَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ شِرْكٌ مِمَّا لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ يَطُولُ تَفْصِيلُهَا. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسُنَّ لِلنَّاسِ نَوْعًا مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ غَيْرَ الْمَسْنُونِ وَيَجْعَلَهَا عِبَادَةً رَاتِبَةً يُوَاظِبُ النَّاسُ عَلَيْهَا كَمَا يُوَاظِبُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ; بَلْ هَذَا ابْتِدَاعُ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ بِهِ ; بِخِلَافِ مَا يَدْعُو بِهِ الْمَرْءُ أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهُ لِلنَّاسِ سُنَّةً، فَهَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى مُحَرَّمًا لَمْ يَجُزْ الْجَزْمُ بِتَحْرِيمِهِ ; لَكِنْ قَدْ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَشْعُرُ بِهِ.

وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ يَدْعُو بِأَدْعِيَةٍ تُفْتَحُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ قَرِيبٌ. وَأَمَّا اتِّخَاذُ وِرْدٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ، وَاسْتِنَانُ ذِكْرٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ: فَهَذَا مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ، وَمَعَ هَذَا فَفِي الْأَدْعِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَذْكَارِ الشَّرْعِيَّةِ غَايَةُ الْمَطَالِبِ الصَّحِيحَةِ، وَنِهَايَةُ الْمَقَاصِدِ الْعَلِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَذْكَارِ الْمُحْدَثَةِ الْمُبْتَدَعَةِ إلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُفَرِّطٌ أَوْ مُتَعَدٍّ"(29).

وتشاركُ العروسيةُ بعد ذلك سائرَ الطرق الصوفية في كثير من البدعيات والشركيات التي لا تكاد تخلو منها طريقة صوفية، خاصة ما يفعلونه عند قبور مشايخهم وأضرحتهم من طواف ونذر وذبح واستغاثة بالمقبور، ولضريح عبد السلام الأسمر في مدينة زليتن نصيبٌ من كل ذلك، فقد اتخذه الناس عيدًا وفعلوا عنده من الكفريات والشركيات ما الله به عليم، حتى إن سيف الإسلام القذافي، ولم يكن على كثير اطلاع بعلوم الشريعة، ليصف ضريح هذا الرجل بأنه "أكبر مكان يُكفر فيه بالله في ليبيا جهارا نهارا"(30).

ولكثرة ما يطغى من الجهل على أرباب الطرق الصوفية في ليبيا في مقابل المد السني وظهور جيل متمسك بالكتاب والسنة على نهج سلف الأمة، خاصةً بعد زوال حكم القذافي وزبانيته؛ فإنه من المتوقع أن تشهد الرقعة الصوفية في تلك الديار انحسارًا واسعًا لصالح الصحوة الإسلامية الفتية هناك.

المراجع:

(1) هذا ما رجَّحه الباحث محمد أحمد الوليد في مقال له بعنوان "التصوف الإسلامي في ليبيا" منشور بمجلة الرقيم، في تاريخ: 11/01/2011.

(2) المصدر السابق.

(3) "الوصية الكبرى" لعبد السلام الأسمر الفيتوري، ص 83، الناشر مكتبة النجاح طرابلس.

(4) المصدر السابق، ص 82.

(5) المصدر السابق نفسه.

(6) الباحث محمد أحمد الوليد، مصدر سابق.

(7) تنقيح روضة الأزهار، لمحمد مخلوف، ص112.

(8) أوراد الطريقة العروسية في ميزان الكتاب والسنة، للدكتور أيمن جمال، ص 5 و6.

(9) ص 27.

(10) البندير: آلة إيقاعية طبلية مستديرة الشكل، تشبه الدف إلى حد كبير، قطرها يتراوح ما بين 30 سم و 50سم، تغطى من جهة واحدة بجلد ماعز أو ضأن، ويوضع بداخلها غالباً وتر أو وتران. يقول المستشرق الهولندي رينهارت بيتر آن دُوزِي في معجمه (ج 1، ص: 451): "بَنْدَيْر أو بَنْدِير: (أسبانية) وجمعها: بنادر: طبل الباسك".

(11) هو الدكتور مصطفى عمران رابعة، لدى إيراده هذه الحادثة في كتاب (رسائل الأسمر عبدالسلام بن سليم الإدريسي الحسني إلي مريديه).

(12) في كتابه الماتع (الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة).

(13) فتح العلي الأكبر، ص 28.

(14) المصدر السابق.

(15) مجموع الفتاوى، ج11، ص 576.

(16) ج1، ص425.

(17) يراجع كلام شيخ الإسلام ابن تيميه في مجموع الفتاوى ج 11، ص 565، 566.

(18) تفسير القرطبي ج 10، ص 263- ط دار الكتب المصرية (1963م).

(19) الوصية الكبرى، ص: 83.

(20) "الوصية الكبرى" لعبد السلام الأسمر الفيتوري، ص 82.

(21) السابق نفسه.

(22) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة للالكائي ـ قسم كرامات أولياء الله، مقدِّمة محقق الكتاب د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، ج 5 ص36 وما بعدها (ط دار طيبة 1415 هـ).

(23) الوصية الكبرى، ص: 105.

(24) اليواقيت والجواهر للشعراني ج2 ص 93، ط مصطفى البابي الحلبي، مصر 1378 هـ.

(25) الطبقات للشعراني ج2 ص 75.

(26) "التَّصَوُّفُ.. المنشَأ وَالمَصَادر" لإحسان إلهي ظهير، ط إدارة ترجمان السنة، لاهور- باكستان (1406 هـ - 1986 م).

(27) "الأنوار السنية والمنن البهية في طريق أهل الله الصوفية المسماة بالطريقة العروسية الشاذلية"- عبدالسلام الأسمر الفيتوري - دار الطباعة المحمدية بالأزهر بالقاهرة، 1384هـ-1964م.

(28) أوراد الطريقة العروسية في ميزان الكتاب والسنة، للدكتور أيمن جمال، ص 6 وما بعدها.

(29) مجموع الفتاوى ج 22، ص 510 و511.

(30) جاء قوله هذا في لقاءٍ له بأعيان مدينة جنغبوب، والجلسة منشورة على شبكة الإنترنت.

 
cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion buy abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill where to buy abortion pills online
cytotec abortion abortion pill where to buy abortion pills online
where can i buy abortion pills abortion pill buy the abortion pill online
medical abortion pill online i need to buy the abortion pill abortion pill buy online
medical abortion pill online i need to buy the abortion pill abortion pill buy online
medical abortion pill online abortion pill abortion pill buy online
the unfaithful husband what makes a husband cheat how to cheat on wife
cheats my husband cheated read
I cheated on my girlfriend why do wifes cheat click


أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب