اليوم : الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439هـ الموافق:12 ديسمبر 2017م
مسألة رجحان السيئات على الحسنات بين أهل السنة ومخالفيهم
تاريخ الإضافة: الأحد 1 ربيع الآخر 1435هـ

مسألة رجحان السيئات على الحسنات بين أهل السنة ومخالفيهم

إعداد: د. عبد الله بن محمد بن عبد العزيز السند*

مقدمة:

الحمد لله الحكم العدل، وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه، وبعد:

فإن الخلاف واقع في حكم العاصي من المسلمين الذي قدم إلى ربه تعالى وقد رجحت سيئاته على حسناته.

فالوعيدية تعده من أهل النار المخلدين فيها، والمرجئة يرونه تحت المشيئة إن شاء ربه عذبه، وإن شاء غفر له.

وأما أهل السنة والجماعة، فقد اختلفت النسبة إليهم في هذه المسألة، فقيل إنهم يرون أن من رجحت سيئاته على حسناته، فهو الذي يقع عليه العذاب من أهل الكبائر ممن جاء القطع بحصول الوعيد عليهم في الآخرة، ثم يخرجون منها.

وقيل إن مقالة أهل السنة في هؤلاء أنهم تحت المشيئة، على ما سيأتي بيانه بعون الله تعالى.

وأمام هذا الاختلاف، فقد رأيت أن تحرير الكلام في هذه المسألة، وتحقيق مذهب السلف فيها من المطالب المهمة، واقتصرت في هذه الدراسة على عرض مقالة أهل السنة، وقبلها مقالة المعتزلة من الوعيدية، والأشاعرة من المرجئة؛ إذ هما رأس الطائفتين، وفي سبيل ذلك جاءت مباحث الدراسة في تمهيد وفصلين، تضمنا أربعة مباحث على النحو التالي:

تمهيد في مفهوم الحسنات والسيئات.

الفصل الأول: مذهب المعتزلة والأشاعرة في من رجحت سيئاته على حسناته، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: مذهب المعتزلة في من رجحت سيئاته على حسناته.

المبحث الثاني: مذهب الأشاعرة في من رجحت سيئاته على حسناته.

الفصل الثاني: مذهب السلف في من رجحت سيئاته على حسناته، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: القول بأن مذهب السلف في من رجحت سيئاته على حسناته دخول النار، ثم الخروج منها.

المبحث الثاني: القول بأن مذهب السلف في من رجحت سيئاته على حسناته أنه تحت المشيئة.

الخاتمة، ثم فهرس المراجع.

هذا وقد نهجت في هذه الدراسة المنهج الاسقرائي النقدي، مع عزو الآيات إلى سورها، والتخريج المختصر للأحاديث والآثار.

هذا ما أعان الله تعالى عليه، والمرجو أن يكون فيه تحقيق للمقصود، وما كان فيه من صواب فالفضل والمنة لله تعالى، وما كان غير ذلك فالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم منه بريئان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تمهيد في مفهوم الحسنات والسيئات

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد بها أعمال الخير، وأعمال الشر، كما يراد بها النعم، والمصائب.

والجزاء من جنس العمل، فمن عمل خيرا وحسنات لقى خيرًا وحسنات، ومن عمل شرًا وسيئات لقى شرًا وسيئات)[1].

فالحسنات والسيئات لهما معنيان:

المعنى الأول هو ما يفعله الإنسان باختياره، من أعمال الخير والشر، من الطاعات والمعاصي، من الأعمال المأمور بها والمنهي عنها.[2]

والمعنى الثاني هو ما يسر العبد من النعم، وما يسوءه من المصائب.[3]

وإذا كان لفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله تعالى يتناول المعنيين، فهذا سياق لبعض النصوص الواردة فيهما[4]:

فمما جاء في المعنى الأول للحسنات والسيئات قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [الأنعام: 160]،  وقوله تعالى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84]، وقوله تعالى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [هود: 114]، وقوله تعالى {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [الفرقان: 70].

وأما المعنى الثاني للحسنات والسيئات، وهو النعم والمصائب، فقد جاء فيه قوله تعالى {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا } [آل عمران: 120]، وقوله تعالى {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } [النساء: 79]، وقوله تعالى {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ } [التوبة: 50]، وقوله تعالى {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} [ الآعراف: 131]، وقوله تعالى {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الآعراف: 168].

وإذا مهدنا بما تقدم، فإن بين المعنى الأول والثاني للحسنات والسيئات صلة وتلازما، وبيان ذلك أن النعم إنما هي بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه الله عليها، والمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد، ولا تحصل النعمة إلا برحمته تعالى، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته، فلولا رحمته وإحسانه لما وجد خير أصلا لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه، والإنسان يذنب دائمًا فهو فقير مذنب، وربه تعالى يرحمه ويغفر له وهو الغفور الرحيم، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، والأمر كله بمشيئة الله وقدرته وخلقه[5].

والمؤمن قد تصيبه المصيبة مثل المرض والفقر والذل؛ بسبب ذنب غيره، فعليه أن يصبر لحكم الله تعالى، فهو واجب عليه باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله استحبابًا على الصحيح، ووجوبًا عند آخرين[6].

ثم إن ما يهدي الله تعالى العبد ويوفقه إليه من الطاعات هو نعمة في حقه أصابته من الله، وما يقع من العبد من المعصية هو سيئة ومصيبه من الله، ونفسه كانت سببا لها[7].

وأخيرًا فإنه يدخل في أعمال الخير الحسنات التي ندب الله تعالى إليها على لسان خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، من الأعمال، والأخلااق، والصفات[8].

فالحسنات هي العمل الصالح، والعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم من واجب ومستحب، وما ليس من هذا ولا هذا ليس من الحسنات[9].

ومسائل الموازنة مسائل جليلة لأهل العلم فيها بحوث حافلة عند حديهم عن اليوم الآخر، وما يقع فيه من موازنة الأعمال، وأحكامها، ودراستنا هذه في أحد أهم مسائلها، وهي حكم من رجحت سيئاته على حسناته، عاملنا الله بفضله، وتجاوز عنا برحمته وكرمه.

الفصل الأول: مذهب المعتزلة والأشاعرة في من رجحت سيئاته على حسناته

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: مذهب المعتزلة في من رجحت سيئاته على حسناته

المبحث الثاني: مذهب الأشاعرة في من رجحت سيئاته على حسناته

المبحث الأول: مذهب المعتزلة في من رجحت سيئاته على حسناته

من أصول المعتزلة أن صاحب الكبيرة لا يعد مؤمنا ولا كافرًا، بل هو فاسق في منزلة بين هاتين المنزلتين[10].

ويقولون إنه يستحق العقوبة من الله تعالى، وإنه لا ينفعه ثواب إيمانه بعد ارتكابه الكبيرة إلا إذا تاب[11]، وإنه يفعل به ما يستحق من العقوبة لا محالة على الدوام [12]، وإنه يخلد في النار، ويعذب فيها أبد الآبدين، ودهر الداهرين [13].

وكما أن الثواب إنما يستحق على الطاعات، فإن العقاب يستحق على المعاصي[14]، وما يستحقه صاحب الكبيرة على كبيرته من العقاب يحبط ثواب طاعاته [15].

والإحباط والتكفير، وهو سقوط الأقل بالأكثر، من مسائل الأتفاق عند المعتزلة، إلا أنهم مختلفون هل هذا الإحباط والتكفير يقعان على سبيل الموازنة؟

قولان عند المعتزلة:

الأول: إنكار الموازنة، وأن السيئة تحبط جميع الطاعات، ولا يجعل للطاعات تأثير على السيئات المقابلة لها، وهو قول جمهورهم.

والثاني: إثبات الموازنة، وأن السيئة تحبط ما قابلها من الطاعات، وتبقى المعاصي الزائدة فقط، وهذا رأي أبي هاشم الجبائي، وانتصر له القاضي عبد الجبار، وعده الصحيح من المذهب[16].

وحاصل الأمر أن المعتزلة يقررون حبوط الطاعات بالسيئات، سواء جعلوه حبوطًا كليا، بحيث تذهب الطاعات كلها، أو حبوطًا لما يقابلها من الحسنات، ويبقى الزائد من السيئات، وعلى كلا الحالين، فإن مآل صاحب السيئات عندهم هو الخلود في النار.

وقد ضلوا هنا في أمرين:

الأول: حكمهم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار.

الثاني: دعواهم حبوط الحسنات كلها بالمعاصي دون الكفر.

فأما الأول، فهذه هي المقالة التي اشتد نكير أهل العلم عليهم فيها، وعمدة المعتزلة في هذا المذهب المشؤوم هو أن هؤلاء العصاة داخلون ولابد في عمومات الوعيد، ويستحقون أن يفعل بهم العقوبة لا محالة[17].

فالمعتزلة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (أوقعهم في ذلك أنهم سمعوا نصوص الوعيد، فرأوها عامة، فقالوا يجب أن يدخل فيها كل من شملته)[18].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كلام متين مبينا وجه الجمع بني نصوص الوعد والوعيد: والتحقيق أن يقال: الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد والوعيد: والتحقيق أن يقال: الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد والوعيد، كما ذلك[19] مشتمل على نصوص الأمر والنهي، وكل من النصوص يفسر الآخر ويبينه.

فكما أن نصوص الوعد على الأعمال الصالحة مشروط بعدم الكفر المحبط، لأن القرآن قد دل على أن من ارتد فقد حبط عمله.

فكذلك نصوص الوعيد للكفار والفساق مشروط بعدم التوبة؛ لأن القرآن قد دل على أن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب، وهذا متفق عليه بين المسلمين، فكذلك في موارد النزاع، فإن الله قد بين بنصوص معروفة أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره، وأنه يجيب دعوة الداعي إذا عداه، وأن مصائب الدنيا تكفر الذنوب، وأنه يقبل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، في أهل الكبائر، وأنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، كما بين أن الصدقة يبطلها المن والأذى، وأن الرياء[20] يبطل العمل، وأنه إنما يتقبل الله من المتقين، أي في ذلك العمل ونحوه [21].

فجعل للسيئات ما يوجب رفعها، كما جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها، لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة، كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة.

وبهذا يتبين أنا نشهد بأن {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } [ النساء: 10]، على الإطلاق والعموم، ولا نشهد لمعين أنه في النار؛ لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه؛ لأن لحوق الوعيد بالمعين مشروط بشروط، وانتفاء موانع في حقه.

وفائدة الوعيد بيان أن هذا الذنب سبب مقتض لهذا العذاب، والسبب قد يقف تأثيره على وجود شرطه، وانتفاء مانعه.

يبين هذا أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وآكل ثمنها[22]، وثبت عنه في صحيح البخاري عن عمر أن رجلا كان يكثر شرب الخمر، فلعنه رجل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله) [23]، فنهى عن لعن هذا المعين وهو مدمن خمر؛ لأنه يحب الله ورسوله، وقد لعن شارب الخمر على العموم [24].

وأما الثاني مما ضل فيه المعتزلة، وهو قولهم بالحبوط التام للحسنات؛ لمجرد ارتكاب المعاصي غير المكفرة، فهو مخالف لما دلت عليه النصوص من أنه لا يحبط العمل كله سوى الردة والموت على الكفر والعياذ بالله، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[25] .

فالآية تعني (أن الذين ارتدوا عن دينهم، فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلدون فيها، وإنما جعلهم أهلها؛ لأنهم لا يخرجون منها، فهم سكانها المقيمون فيها)[26].

فهؤلاء هم الذين حبطت أعمالهم، أي (بطلت وذهبت، وبطولها: ذهاب ثوابها، وبطول الأجر عليها والجزاء في الدنيا والآخرة)[27].

وأما من ارتكب ذنبوبًا دون الكفر، فإن حسناته لا تحبط بالكلية، نعم يحبط بعضها كما دلت عليه النصوص، على خلاف في كيفية هذا الحبوط، كما تقدم في أول المبحث، وسيأتي له بعون الله تعالى مزيد بيان عند شرح مذهب أهل السنة[28].

المبحث الثاني: مذهب الأشاعرة في من رجحت سيئاته على حسانه

يذكر عبد القاهر البغدادي أن اصحابه الأشاعرة يرون أن أصحاب الذنوب من المسلمين إذا ماتوا قبل التوبة، فمنهم من يغفر الله عز وجل له قبل تعذيب أهل العذاب، ومنهم من يعذبه في النار مدة، ثم يغفر له ويرده إلى الجنة برحمته[29].

ويقول الجويني: (من مات على إصراره على المعاصي، فلا يقطع عليه بعقاب، بل أمره مفوض إلى ربه تعالى، فإن عاقبه فذلك بعدله، وإن تجاوز عنه، فذلك بفضله ورحمته)[30].

والمقصود أن صاحب الكبيرة عند الأشاعرة إذا خرج من الدنيا من غير توبة يكون حكمه إلى الله تعالى، إما أن يغفر له برحمته، وإما أن يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وإما أن يعذبه بمقدار جرمه ثم يدخله الجنة برحمته، ولا يجوز أن يخلد في النار مع الكفار[31].

وهذا المعتقد هو ما عليه جمهورهم[32]، وخالفت طائفة منهم، وهم الواقفة، فقالوا لا نعلم أن أحدًا من أهل القبلة من أهل الكبائر يدخل النار، ولا أن أحدًا لا يدخلها، بل يجوز أن يدخلها جميع الفساق، ويجومز أن لا يدخلها أحد منهم، ويجوز دخول بعضهم، فهم يقفون في هذا كله، ولهذا سموا الواقفة، وهذا قول الباقلاني ومن وافقه من الأشاعرة [33].

وحجة جمهور الأشاعرة في أصحاب الكبائر هي ما جاء من نصوص تعلق حكم ما دون الشرك على المشيئة، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء: 48- 116].

وما جاء من نصوص الشفاعة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)[34]، وما ورد من إخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، كقوله صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) [35].

وقالوا: (إذا تعارضت الآيات في الوعد والوعيد خصصنا آيات الوعيد بآيات الوعد، أو جمعنا بينهما، فيعذب العاصي مدة، ثم يغفر له ويدخل الجنة؛ لأجل الثواب بعد أن استوفى حظة من العذاب)[36].

ومذهب الأشاعرة هذا مرده عندهم إلى محض المشيئة بناء على أصلهم الذي وافقوا فيه الجبرية نفاة التعليل والحكم والأسباب، واقتضائها للثواب والعقاب، وأن الأمر مرده إلى محض المشيئة، من غير اعتبار شيء من ذلك، ولا يدري عندهم ما يفعل الله، بل يجوز عندهم أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة، ويثيب صاحب السيئات الراجحة، وأن يدخل الرجلين النار مع استوائهما في العمل من جميع الوجوه، وينعم من مل يطعه قط، ويعذب من لم يعصه قط.

فليس عندهم سبب، ولا حكمة، ولا علة، ولا موازنة، ولا إحباط بغير الكفر، ولا تدافع بين الحسنات والسيئات، والخوف على المحسن والمسيء واحد، إذ من الجائز تعذيبهما، فلو أدخل الله الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا، ولو ادخلهم النار لم يكن جورا[37].

ثم إن الأشاعرة يرون أن إحباط الحسنات بالسيئات لا يكون إلا بالكفر، وأما بما دونه من الذنوب فلا[38].

وقالوا إن ما جاء من نصوص دالة على الإحباط كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264]، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [التوبة: 17]، وقوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}[39].

قالوا إن معنى هذه النصوص هو (أن من عمل عملا صالحًا استحق به الذم، وكان يمكنه أن يعمله على وجه يستحق به المدح والثواب، يقال: إنه أحبط عمله، كالصدقة مع المن والأذى، وبدونهما)[40].

ومن العرض المتقدم يتبين أن مذهب الأشاعرة في رد الأمر إلى محض المشيئة يقوم على أمرين:

الأول: الاستدلال بنصوص الوعد، وبالنصوص التي أطلقت حكم ما دون الشرك بأنه تحت المشيئة؛ مقابلة لمذهب الوعيدية في إعمالهم لنصوص الوعيد.

الثاني: نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، ومنع القول بإحباط الحسنات بالسيئات بما دون الكفر، فإنه لا يحبط الطاعات بالمعاصي عندهم سوى الكفر[41].

وهذان الأمران سيأتي بعون الله تعالى البحث فيهما عند مناقشة من نسب إلى السلف القول بأن من رجحت سيئاته على حسناته فهو تحت المشيئة[42].

الفصل الثاني: مذهب أهل السنة في من رجحت سيئاته على حسناته

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: القول بأن مذهب أهل السنة في من رجحت سيئاته على حسناته دخول النار، ثم الخروج منها.

المبحث الثاني: القول بأن مذهب السلف في من رجحت سيئاته على حسناته أنه تحت المشيئة.

المبحث الأول: القول بأن مذهب أهل السنة في من رجحت سيئاته على حسناته دخول النار، ثم الخروج منها.

يقرر جمع من أهل العلم أن مقالة أهل السنة في هذا الصنف من العصاة أنهم الذين جاءت فيهم الأخبار بدخول النار، ثم الخروج منها.

فأبو الحسن الأشعري رحمه الله يذكر عن أهل الحق أنهم يقولون: إن من رجحت حسناته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته دخل النار، ومن تساوت حسناته وسيئاته تفضل الله عليه فأدخله الجنة[43].

وفي معرض حديث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن صاحب الذنب قال: (وإن لم يتب وزنت حسناته وسيئاته، فإن رجحت حسناته على سيئاته كان من أهل الثواب، وإن رجحت سيئاته على حسناته كان من أهل العذاب)[44].

وأفاد رحمه الله أن الذين دخلوا النار من الموحدين قد فات فيهم أحد الشرطين:

إما أنهم لم يقولوا كلمة التوحيد بالصدق واليقين التام المنافي للسيئات، أو لرجحانها على الحسنات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، فيضعف لذلك صدقهم، ويقينهم، فلم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين يمحو سيئاتهم، أو يرجح حسناتهم[45].

وفي أثناء حكاية ابن القيم رحمه الله مذاهب الناس في الطبقة الثالثة عشرة، وهي طبقة المسلمين الذين خفت موازينهم، ورجحت سيئاتهم على حسناتهم فغلبتها السيئات.

قال رحمه الله: (فهذه الأقوال هي التي يعرفها أكثر الناس، ولا يحكي أهل الكلام غيرها.

وقول الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث لا يعرفونه، ولا يحكونه، وهو الذي ذكرناه عن ابن عباس، وحذيفة، وابن مسعود أن من ترجحت سيئاته بواحدة دخل النار[46].

وهؤلاء هم القسم الذين جاءت فيهم الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم يدخلون النار، فيكونون فيها على مقدار أعمالهم،...، وهم الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعين، وهم الذين يأمر الله سيد الشفعاء مرارًا أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان[47].

وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يكونون فيها على قدر أعمالهم، مع قوله تعالى {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المرسلات: 43] ، و {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90]، وقوله {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [البقرة: 281].

وأضعاف ذلك من نصوص القرآن والسنة يدل على ما قاله أفضل الأمة، وأعلمها بالله وكتابه وأحكام الدارين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

والعقل، والفطرة تشهد له، وهو مقتضى حكمة العزيز الحكيم الذي بهرت حكمه العقول، فليس الأمر مسيبًا خارجًا عن الضبط والحكمة، بل مربوط بالأسباب والحكم، مرتب عليها أكمل ترتيب، جار على نظام اقتضاه السبب، واستدعته الحكمة).

ثم قال رحمه الله تعالى: (بل لابد من دخول بعضهم –يعني أهل الكبائر-، وذلك البعض هو الذي خفت موازينه، ورجحت سيئاته، كما قاله الصحابة رضي الله عنهم، وحكى أبو محمد ابن حزم هذا إجماعًا من أهل السنة)[48].

ويقرر العلامة حافظ حكمي رحمه الله أن الذي أثبتته الآيات القرآنيه، والسنن النبوبة، ودرج عليه السلف الصالح، والصدر الأول من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، من أئمة التفسير، والحديث، والسنة أن العصاة من أهل التوحيد ثلاث طبقات.

وأن الطبقة الثالثة منهم هم: قوم لقوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش، ومعهم أصل التوحيد والإيمان، فرجحت سيئاتهم بحسناتهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، وهم الذين يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولغيره من بعده من الأنبياء، والأولياء، والملائكة، ومن شاء الله أن يكرمه، فيخرجونهم من النار، ثم يخرج الله تعالى برحمته من لا يعلمه إلا هو سبحانه، فلا يخلد في النار منهم أحد[49].

فهؤلاء أربعة من علماء السنة ينصون صراحة على أن مذهب أهل السنة هو دخول هذا الصنف من العصاة النار، ثم الخروج منها.

ولما ذكر العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله الفروق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر ذكر منها ان الشرك الأصغر يدخل تحت الموازنة، إن حصل معه حسنات راجحتة على ذنوبه دخل الجنة، وإلا دخل النار[50].

والعلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله يرى أن من رجحت سيئاته على حسناته من الموحدين قد استحق دخول النار إلا أن يمنع من ذلك مانع، من شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم له، أو شفاعة أحد ممن يجعل الله لهم الشفاعة، أو تدركه رحمه الله المحضة بلا واسطة، وإلا فلابد له من دخول النار يعذب فيها بقدر ذنبه، ثم مآله إلى الجنة[51].

وممن قرر هذه المقالة أيضًا جماعة أخرى من أهل العلم، وإن كانوا ليسوا من أهل السنة المحضة، إلا أنهم يرون أن هذا الصنف من العصاة هم من يعذب في الآخرة.

ومن هؤلاء ابن حزم رحمه الله، فقد قال: (يدخل النار من شاء الله تعالى من المسلمين الذين رجحت كبائرهم وسيئاتهم على حسناتهم، ثم يخرجون منها بالشفاعة، ويدخلون الجنة)[52].

ويقول الحميدي رحمه الله: (ثم إنا وجدنا أصحاب اليمين من جميع المؤمنين، وهم الطبقة الثانية من الطبقات التي ذكرنا أيضًا ينقسمون في الموازنة أقسامًا ثلاثة:

إما متساو خيره وشره، وإما من رجحت حسناته على سيئاته، فهذا فائز بنص القرآن.

وإما من رجحت سيئاته مع ما معه من الكبائر على حسناته، فهذا يقتص منه بما فضل من معاصيه على حسناته، من لفحة إلى آخر من يخرج من النار، على ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار قلة شره وكثرته)[53].

وعند الحافظ ابن حجر رحمه الله أن الذين ترجح سيئاتهم على حسناتهم، يقعون في النار، ثم يخرجون بالشفاعة[54].

ويؤكد ابن عاشور رحمه الله أن أهل السنة يروهن أن المذنب إذا مات على ذنبه ولم يتب، أو لم يكن له من الحسنات ما يغطي على ذنوبه، فإنه يعاقب، ولا يخلد في العذاب، وهو في معنى المشيئة، فقد شاء الله ذلك، وعرفنا مشيئته بأدلة الكتاب والسنة[55].

هذا بعض ما جاء عن أهل العلم في تقرير هذه المسألة، ويمكن ترتيب الاستدلال على هذا الاعتقاد في المقامات التالية:

المقام الأول: أن هذا المعتقد هو ما فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من النصوص الواردة في هذا الصنف من أهل الكبائر[56].

فقد قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة.

ثم قرأ {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [الأعراف: 8، 9]

ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح.

قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف[57].

وعن جابر رضي الله عنه قال: يوضع الميزان يوم القيامة، فيوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار[58].

وعنه رضي الله عنه مرفوعًا: (يوضع الميزان يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، من رجحت حسناته على سيئاته مثقاب صؤابه[59] دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار) [60].

المقام الثاني: أن هذا المعتقد هو مقتضى الجمع بين النصوص.

فقد دل القرآن، والسنة، وإجماع السلف على الموازنة، فهي مذكورة في سورة الأعراف، والأنبياء، والمؤمنون، والحاقة، والقارعة[61].

ففي الأعراف قال تعالى {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 8-9].

وفي الأنبياء قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47].

وفي المؤمنون قال تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } [المؤمنون: 102-103]

وفي القارعة قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة: 6-9]

وفي الحاقة قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19] إلى قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 25]

وفائدة الموازنة بين الحسنات والسيئات هي اعتبار الراجح، فيكون التأثير والعمل له دون المرجوح[62].

وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)[63].

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم).

وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة)[64].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقًا على هذه الأحاديث الشريفة: (فدل هذا الحديث-يعني حديث أبي سعيد- على أن المراد بالذنوب في حديث ابن عمر ما يكون بين المرء وربه سبحانه وتعالى دون مظالم العباد، فمقتضى الحديث أنها تحتاج إلى المقاصة، ودل حديث الشفاعة أن بعض المؤمنين من العصاة يعذب بالنار، ثم يخرج منها بالشفاعة، كما تقدم تقريره في كتاب الإيمان[65].

فدل مجموع هذه الأحاديث على أن العصاة من المؤمنين في القيامة على قسمين:

أحدهما من معصيته بينه وبين ربه، فدل حديث ابن عمر على أن هذا القسم على قسمين:

قسم تكون معصيته مستورة في الدنيا، فهذا الذي يسترها الله في القيامة، وهو بالمنطوق.

وقسم تكون معصيته مجاهرة، فدل مفهومه على أنه بخلاف ذلك.

والقسم الثاني: من تكون معصيته بينه وبين العباد، فهم على قسمين أيضًا:

قسم ترجح سيئاتهم على حسناتهم، فؤلاء يقعون في النار، ثم يخرجون بالشفاعة.

وقسم تتساوى سيئاتهم وحسناتهم، فؤلاء لا يدخلون الجنة حتى يقع بينهم القصاص، كما دل عليه حديث أبي سعيد)[66].

وقال الحافظ ابن حجر أيضًا معلقًا على الحديث المتقدم: (إذا خلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار):

قال: (الصراط جسر موضوع على متن جهنم، وأن الجنة وراء ذلك، فيمر الناس بحسب أعمالهم:

فمنهم الناجي، وهو من زادت حسناته على سيئاته، أو استويا، أو تجاوز الله عنه.

ومنهم الساقط، وهو من رجحت سيئاته على حسناته، إلا من تجاوز الله عنه.

فالساقط من الموحدين يعذب ما شاء الله، ثم يخرج بالشفاعة وغيرها، والناجي قد يكون عليه تبعات وله حسنات توازيها، أو تزيد عليها، فيؤخذ من حسناته ما يعدل تبعاته، فيخلص منها)[67].

وهذا المعنى قرره القرطبي رحمه الله من قبل أثناء حديثه عن أقسام الناس في الآخرى، وأنهم ينقسمون إلى ثلاث طبقات: متقين، ومخلطين –وهم الذين يوافون بالفواحش والكبائر-، وكفار[68].

قال القرطبي رحمه الله تعالى: (وأما المخلطون، فحسناتهم توضع في الكفة النيرة –يعني من الميزان-، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بصؤابة دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصؤابه دخل النار إلا أن يعفو الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف،...، هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله تعالى.

وأما إن كانت عليه تبعات، وكنانت له حسنات كثيرة، فإنه ينتقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات، فيحمل عليه من أوزار من ظلمه، ثم يعذب على الجميع، هذا ما تقتضيه الأخبار)[69].

وكما ترى أن القرطبي فرق بين ما كان بين العبد وبين ربه تعالى، فيحتمل العفو، وما بين العبد وبين الخلق، فيؤاخذ به.

وهذا المعنى الذي تقرره هذه النصوص موافق أيضًا لما دل عليه قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، فإن هذه الآية حق على ظاهرها وعلى عمومها، وقد فسرتها بالاتفاق آيات أخر[70]، وبيان ذلك من وجوه:

الوجه الأول: أن الآية الكريمة في أولها عموم واقع على كل من مات كافرًا قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، وهذا العموم يخص منه التائب من الكافر، فإن الله تعالى يغفر له، بلا خلاف[71].

الوجه الثاني: أن قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } [النساء: 48]، نص على نفي المغفرة في حق من مات كافرًا،وهذا تقييد لما أطلق في آيات أخرى، كقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، وقوله تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } [المائدة: 18]، وقوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [المائدة: 118][72].

الوجه الثالث: أنه كما قيد الإطلاق في أول الآية، فإنه يلزم تقييده في آخرها في قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}، بآيات الحساب والموازنة، كما تقدم في أول المقام؛ إعمالًا للنصوص، ويؤيد ذلك أن هذا الإطلاق مقيد في حق صنفين:

الأول: من مات ولم يلق الله تعالى إلا بصغائر ذنوبه، فإن الله تعالى يغفر له باجتناب الكبائر، كما في قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31][73].

والثاني: من مات مرتكبًا كبيرة مصرًا عليها، لكن حسناته رجحت بكبائره، فإنه لا يعذبه الله تعال، ولم يجعل تحت المشيئة؛ إعمالا لنصوص الموازنة الدالة على أن من ثقلت موازنه فهو من المفلحين، وهذا تقييد للإطلاق في آخر الآية بهذه النصوص[74].

والحاصل أن كل أحد فهو في مشيئة الله تعالى، ومشيئته سبحانه موافقة لحكمته، وجارية على مقتضى سنته، وقد عرفنا تعالى معنى مشيئته بأدلة الكتاب والسنة، وبين من يغفر لهم، ومن يعذب، والله أعلم.

المقام الثالث: أن هذا القول موافق للعقل، والفطرة، وهو مقتضي حكمة الرب تعالى وعدله في خلقة.

فالعقل، والفطرة يشهدان لهذا القول، فإنه مبني على أصل الأفعال الإلهية، وهو مقتضي حكمة العزيز الحكيم الذي بهرت حكمته العقول، فليس الأمر مسببًا خارجًا عن الضبط والحكمة، بل مربوط بالأسباب والحكم، مرتب عليها أكمل ترتيب، جار على نظام اقتضاه السبب، واستدعته الحكمة، وأي طريق سلكها سالك غير هذه الطريق فإنها تتناقض في حقه؛ لما أصله من الأصل الذي لا يلتئم عليه جميع النصوص، فلابد أن يرد بعضها ببعض، أو ان يستشكلها، أو يتطلب لها مستنكر التأويلات، ووجوه التحريفات[75].

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن جمهور المنتسبين إلى السنة يقطعون بأن الله يعذب بعض أهل الذنوب بالنار، ويعفو عن بعضهم، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، فهذا فيه الإخبار بأنه يغفر ما دون الشرك، وأنه يغفره لمن يشاء، لا لكل أحد.

لكن هل الجزاء والثواب والعقاب مبنيان على الموازنة بالحكمة والعدل، كما أخبر الله بوزن الأعمال، أو يغفر ويعذب بلا سبب ولا حكمة، ولا اعتبار للموازنة فيه؟

لهؤلاء قولان:

فمن جوز ذلك[76]، فإنه يجوز عندهم أن يعذب الله من هو ابر الناس وأكثرهم طاعات وحسنات على سيئة صغيرة عذابا أعظم من عذاب أفسق الفاسقين.

ويجوز عندهم أن يغفر لأفسق الفاسقين من المسلمين وأعظمهم كبائر كل ذنب، ويدخله الجنة ابتداء، مع تعذيب ذلك في النار على صغيرة.

ولهذا قال جمهور الناس عن هؤلاء إنهم لا ينزهون الرب عن السفه، والظلم.

والرب تعالى أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وخير الراحمين، والحكمة وضع الأشياء في مواضعها، والظلم وضع الشيء في غير موضعه.

فكيف يجوز في حكمته وعدله ورحمته في من هو دائمًا يفعل ما يرضيه من الطاعات والعبادات والحسنات، وقد نظر نظرة منهيا عنها أن يعاقبه على هذه النظرة بما يعاقب به أفجر الفساق، وأن يكون أفجر الفساق في أعلى عليين، وهو سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكن لا يشاء إلا ما يناسب حكمته ورحمته وعدله[77].

المقام الرابع: الإجماع

حكى الإجماع على هذا المذهب بعض القائلين به، وقد تقدم ما نسبه الأشعري رحمه الله إلى أهل الحق أنهم يقولون: إن من رجحت حسناته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته دخل النار، ومن تساوت حسناته وسيئاته تفضل الله عليه فأدخله الجنة[78].

ويقول ابن حزم رحمه الله أثناء حديثه عمن جاء يوم القيامة مصرًا على الكبائر، وأنه يوازن بين حسناته وسيئاته: (فإن رجحت سيئاته قالوا كلهم –أعني أهل السنة- أنه لابد من النار أن يدخل فيها مذنبو هذه الأمة، ثم يخرجون منها بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ويصيرون إلى الجنة، وهم من رجحت سيئاتهم)[79].

وتقدم ما نسبه ابن القيم رحمه الله إلى الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث أن من ترجحت سيئاته بواحدة دخل النار[80].

وحكاه ابن عاشور رحمه الله عن أهل السنة، مع ذكره لقول المعتزلة والمرجئة[81].

وقد قيل إن الصحابة كان هذا هو قولهم، لكنهم رجعوا عنه[82].

هذا ما تيسر الوقوف عليه من أدلة القائلين بأن من رجحت سيئاته على حسناته هو من تسمه النار من الموحدين، ثم يخرج منها.

ومن العرض المتقدم يتبين أن من رجحت سيئاتهم على حسناتهم قسمان:

الأول: من يستحق الوعيد.

وهؤلاء إما ان ذنوبهم بينهم وبين العباد، لكن حسناتهم لم تف بإبراء ذمتهم، فتحمل عليهم أوزار أصحاب الحقوق.

وإما أنهم ممن معصيتهم بينهم وبين ربهم تعالى لكنهم جاهروا بها، فعوقبوا بسبب المجاهرة.

والثاني: من هم تحت المشيئة، ويرجى لهم العفو والمغفرة.

وهؤلاء هم من كانت ذنوبهم بينهم وبين ربهم تعالى، فيتفضل برحمته، ويعفو عنهم[83].

وقبل ختم المبحث، فإن من المسائل المتصلة بمسألة الموازنة ورجحان الحسنات أو السيئات مسألة الإحباط ومعناه.

وصورة المسالة كما يلخصها الإمام ابن القيم رحمه الله هي أن الراجح من الحسنات أو السيئات هل يحبط المرجوح حتى يجعله كأن لم يكن، او يحبط ما قابله بالموازنة، ويبقى التأثير للقدر الزائد؟

فيه قولان للقائلين بالموازنة، ينبني عليهما أنه إذا كانت الحسنات أرجح من السيئات بواحدة مثلًا، فهل يدفع الراجح المرجوح جملة، فيثاب على الحسنات كلها، أو يسقط من الحسنات ما قابل السيئات، فلا يثاب عليه، ولا يعاقب على تلك السيئات، فيبقى القدر الزائد لا مقابل له، فيثاب عليه وحده؟

وهذا الأصل فيه قولان لأصحاب الموازنة[84].

وكذلك إذا رجحت السيئات بواحدة هل يدخل النار بتلك الواحدة التي سلمت عن مقابل، أو بكل السيئات التي رجحت؟ على القولين[85].

وعلى القول الأول، فيذهب أثر السيئات جملة بالحسنات الراجحة.

وعلى القول الثاني، يكون تأثيرها في نقصان ثوابه، لا في حصول العقاب له.

ويترجح القول الثاني بأن السيئات لو لم تحبط ما قابلها من الحسنات، وكان العمل والتأثير للحسنات كلها لم يكن فرق بين وجودها وعدمها.

ولكان لا فرق بين المحسن الذي محض عمله حسنات، وبين من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.

وقد يجاب عن هذا بأنها أثرت في نقصان ثوابه ولابد، فإنه لو اشتغل في زمن إيقاعها بالحسنات، لكان أرفع لدرجته، وأعظم لثوابه.

وإذا كان كذلك، فقد ترجح القول الأول بأن الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأثير المغلوب المرجوح، وصار الحكم للغالب دونه؛ لاستهلاكه في جنبه كما يستهلك يسير النجاسة في الماء الكثير، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، والله أعلم[86].

وقد تقدم عند عرض مقالة المعتزلة أنهم يقولون بالإحباط، وهم مختلفون في صورته على قولين، وأنهم ضلوا في دعواهم حبوط الطاعات كلها بالسيئات دون الكفر[87].

وأما مجرد إحباط الحسنات بالسيئات، فإن هذا مما دلت عليه النصوص، وقال به السلف[88].

ومن الأدلة على الإحباط قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، وتفسير الإبطال هاهنا بالردة؛ لأنها أعظم المبطلات، لا لأن المبطل ينحصر فيها[89].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264]، فهذان سببان عرضا بعد للصدقة فأبطلاها، شبه سبحانه بطلانها بالمن والأذى بحال المتصدق رياء في بطلان صدقة كل واحد منهما[90].

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2][91].

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)[92].

وقالت عائشة رضي الله عنها لأم زيد بن أرقم وقد باع بيع العينة: أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب[93].

والمقصود أن القرآن والسنة، والمنقول عن الصحابة، وعليه استقرت قاعدة الشريعة أن السيئات تحبط الحسنات، كما أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن السيئات قد تستغرق الحسنات بالكلية، أو تنقصها وتضعفها[94].

والله تعالى جعل للسيئات ما يوجب رفع عقابها، كما جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها، لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة، كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة[95].

فالحبوط نوعان: عام وخاص.

فالعام: حبوط الحسنات كلها بالردة، والسيئات كلها بالتوبة.

والخاص: حبوط السيئات والحسنات بعضها ببعض، وهذا حبوط مقيد جزئي[96].

المبحث الثاني: القول بأن مذهب السلف في من رجحت سيئاته على حسناته أنه تحت المشيئة.

تقدم في المبحث السابق ما حكاه جمع من أهل العلم أن من رجحت سيئاته على حسناته، فإنه تمسه النار، ثم يخرج منها.

وأما القول بأن هذا الصنف تحت المشيئة، فإن من قال به يقرر أن أهل السنة لهم قولان في المسألة، وأن جمهورهم يرون أنه تحت المشيئة.

وأن الصحابة كانوا يقولون بالأول، وهو أن من رجحت سيئاته على حسناته يعذب، ثم قالوا بالثاني، وهو أنه تحت المشيئة، وعلى هذا استقر رأيهم[97].

وقد سبق أثناء عرض المذهب الأول ما جاء فيه من دعوى الإجماع عليه، وهنا تأتي دعوى أن السلف لهم قولان بعد أن كانوا مجمعين على القول الأول، وبعد التتبع لما سيق حجة على هذه المقال، فيمكن ترتيب ذلك فيما يلي:

الحجة الأولى: أن السلف لا يذكرون في عقائدهم إلا القول بأن أمر أهل الكبائر تحت المشيئة[98].

ولاشك أن مما تتابع أهل العلم على حكايته عن أهل السنة هو أنهم يعتقدون أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله عزوجل إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة، سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار.

وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلد فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار[99].

وهذه هي مسألة حكم صاحب الكبيرة في الآخرة، ومسألة وعيد الفساق، ومسألة عقوبة العصاة، ومسألة انقطاع عذاب أهل الكبائر[100].

وقد سبق أثناء عرض القول الأول أن القائلين به أجابوا عن ذلك بأن هذه المشيئة قد فسرتها النصوص، وأن الله تعالى قد بين أن شاء أن يعذب هذا الصنف من العصاة.

والناظر في هذا الإطلاق وهو أن المذنب تحت المشيئة يجده يشمل صنفين ممن يقدم على ربه من غير توبة: من يكون عاصيًا لكن حسناته أكثر من سيئاته، ومن يكون عاصيًا لكن سيئاته أكثر.

والنصوص ظاهرة الدلالة على أن الصنف الأول من الناجين؛ لأنه ممن ثقلت موازينه، فهو من المفلحين، وبهذا يخرج من كونه تحت المشيئة بهذا الدليل، وهذا حق[101].

وأما الصنف الثاني، فقد تقدم أنه أنواع، ومن ثم يمكن تنزيل حكم المشيئة على بعض أصنافه، وبهذا تجتمع النصوص، والله أعلم[102].

وبكل حال فإن إطلاق الأئمة موافق لما جاء في النصوص من الإطلاق في حق العصاة، وهو مفسر بالنصوص الأخرى، كما تقدم[103].

الحجة الثانية: النصوص الدالة على تعليق حكم ما دون الكفر بالمشيئة.

ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء: 48].

وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًأ، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه)[104].

وحديث عبادة رضي الله عنه أيضًا، وفيه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له)[105].

ووجه الدلالة من هذه النصوص عند أصحاب هذا القول أنها تدل صراحة على أن كل صاحب كبيرة فهو في مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، والقول بتعذيب من رجحت سيئاته يصطدم مع هذه النصوص، فإن آية النساء وحديث عبادة هما في كل صاحب كبيرة[106].

ص 58

ويجاب عن ذلك بأنه لا تصادم ولا تضاد بين النصوص بحمد الله، والجمع الفاصل للنزاع حاصل بحديث عائشة رضي الله عنها بأن من يشأ عز وجل أن يعفو عنه يحاسبه الحساب اليسير الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالعرض، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ليس أحد يحاسب إلا هلك).

قالت: قلت: يا رسول الله جعلني الله فداءك، أليس يقول الله عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7-8]؟

قال صلى الله عليه وسلم: (ذاك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك)[107]، وفي رواية: (من حوسب عذب) [108].

وفي رواية: (ليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)[109].

ومعنى العرض جاء تفسيره في حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم.

ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم.

فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم)[110].

فالله تعالى يحاسب عباده في القيامة ويناقشهم، يحاسب بالعرض من قضي له بالمغفرة، ويناقش بالحساب من قضي عليه بالعذاب، غير أن المؤمن عاقبته الجنة، والكافر عاقبته النار[111].

(فحساب العرض والتعريف ليس هو المناقشة، وإنما المناقشة تكون عند الموازنة والمقابلة، إذا وزنت حسناته بسيئاته، من غير عفو ولا مغفرة)[112].

وهذه الموازنة تكون بعد قصاص واستيفاء المظلومين حقوقهم من حسناته، فإذا بقي شيء منها وزن هو وسيئاته[113].

وعلى هذا فإن الصنف الذين شاء الله أن يعفو عنهم هم من كانت معصيتهم بينهم وبين ربهم، ومستورة في الدنيا، فهذا الذي يستره الله في القيامة، كما هو منطوق الحديث[114].

وأما الصنف الذي شاء الله تعالى أن يعذبه بعدله فهو من تحقق فيه الوعيد، وتوفرت شروطه وانتفت موانعه، وهو من كانت عليه تبعات، وكانت له حسنات كثيرة، فإنه ينتقص من ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات؛ لكثرة ما عليه من التبعات، فيحمل عليه من أوزار من ظلمه، ثم يعذب على الجميع، هذا ما تقتضيه الأخبار[115].

ومن هذه الأخبار حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)[116].

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه)[117].

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما المفلس؟).

قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.

فقال: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار)[118].

وفي حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة ـ أو قال: العباد ـ عراة، غرلا، بهما) قال: قلنا: وما بهما؟

قال: (ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة).

قال: قلنا: كيف، وإنا إنما نأتي الله عز وجل عراة، غرلا، بهما؟

قال: (بالحسنات والسيئات)[119].

الحجة الثالثة: أن الصحابة أو جمهورهم كانوا يقولون بتعذيب صاحب الذنب، ثم رجعوا عنه.

ويدل على هذا ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: كنا لا نشك في من أوجب الله له النار في كتاب الله، حتى نزلت علينا هذه الآية {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، فلما سمعناها كففنا عن الشهادة، وأرجينا الأمور إلى الله[120].

وقال ابن عباس رضي الله عنه في الآية نفسها: حرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة[121].

وقال أيضا: إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: مالك؟ فتقول: إنه ليستجير مني، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول: يارب ما كان هذا الظن بك، فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف[122].

فهذا يدل على وقوع العفو عن بعض من رجحت كبائره بحسناته؛ إذ لو لم تكن كبائره راجحة لم يقد إلى النار اتفاقا[123].

ويدل على أن ابن عباس رضي الله عنه رجع إلى مذهب جمهور الصحابة، واستقر مذهب الصحابة على ترك أمر أهل الكبائر لمحض المشيئة[124].

وهذه الحجة فيها إقرار باتفاق الصحابة على القول الأول، لكنهم رجعوا عنه، ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى برهان، والاستدلال بهذه الآثار على رجوع الصحابة، وأنهم ردوا حكم من رجحت سيئاته على حسناته إلى محض المشيئة محل تأمل.

فإن هذه الآثار وأمثالها هي في الحقيقة تدل على ما عليه أهل السنة والجماعة من عدم القطع على معين من عصاة الموحدين بالنار، وليس فيها تعرض لمن رجحت سيئاته على حسناته، فالاستدلال بها والحالة هذه خارج عن محل النزاع.

يوضحه أن أثر ابن عمر رضي الله عنه بلفظ: كنا نرى أن من قتل مؤمنا فقد وجبت له النار، ومن أكل مال يتيمه فقد وجبت له النار، ومن يأكل الربا فقد وجبت له النار، حتى أنزل الله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، فلم ندر من يدخل في مشيئة الله، ومن يخرج منها، فكففنا ورجونا[125].

وفي لفظ: كنا نبت على القاتل حتى نزلت {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، فأمسكنا[126].

وعنه أيضا أنه قال: ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، و(إني ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة)[127].

فكما ترى أن البت من الصحابة رضوان الله عليهم هو في من لقي الله تعالى مصرا على كبيرة من الكبائر، وترك الاستغفار له، فلما سمعوا بهذه النصوص أرجؤوا أمره إلى الله تعالى، فإنه لا يعلم حاله، فقد يقدم على ربه بحسنات تغلب سيئاته، وقد توبقه سيئاته في النار والعياذ بالله، فصار رد الأمر إلى علم الله ومشيئتهه، فإن أسباب تكفير الذنوب متنوعة، من حسنات ماحية، ومصائب مكفرة، ودعاء، وشفاعة، وعفو الرحمن، وغيرها[128]، ومن فاته منها ما يحول بينه وبين النار، فهو الخاسر.

وبهذا الفهم تلتقي النصوص، وتأتلف، فإن من مذهب أهل السنة أنهم لا يشهدون على أحد من أهل القبلة بالنار، وإن مات على كبيرة من الكبائر[129].

وأما الاستدلال بقول ابن عباس رضي الله عنه المتقدم ذكره: (إن الرجل ليجر إلى النار) على وقوع العفو عن بعض من رجحت كبائره بحسناته إذ لو لم تكن كبائره راجحة لم يقدم إلى النار اتفاقا[130].

فقد تقدم الجواب عن ذلك، وأن مقتضى إعمال النصوص هو أن يحمل من يعفى عنه من هؤلاء على ما كانت ذنوبهم بينهم وبين ربهم، ممن لم يجاهروا بها[131].

الحجة الرابعة: وقوع الشفاعة في من استحق النار ألا يدخلها، وهذا يدل ضرورة على وقوع العفو عن بعض من رجحت كبائره بحسناته؛ إذ لو لم تكن كبائره راجحة لما استحق النار وفاقا[132].

ويناقش هذا الاستدلال بأنه متوقف على إثبات وقوع هذا النوع من أنواع الشفاعة، ومع قول طائفة من أهل السنة به، إلا أن آخرين من المحققين يصرحون بعدم ثبوت دليل عليه، وهذا يضعف الاستدلال بهذا الدليل[133].

ثم يقال إن مقتضى الجمع بين النصوص يوجب حمل هؤلاء على أنهم أصحاب الذنوب التي لا تتعلق لها بالعباد، بل هي بين العبد وربه تعالى مما لم يجاهر العبد بها.

الحجة الخامسة: أن هذا القول معناه ربط العفو الإلهي بالموازنة، وهذا الربط لا يقوم على دليل واضح، لأن الظاهر أن آيات الموازنة التي استدلوا بها تجري على طريقة القرآن الغالبة، وهي ذكر السعداء والأشقياء دون المخلطين، والله تعالى حكم على من خفت موازينه بالخلود في النار، وهذا لا يصح تطبيقه على المخلطين[134].

ثم إن ربط العفو الإلهي بالموازنة دائما لا يقق عظمة مانع العفو الإلهي، فإن هذا العفو إنما يظهر تأثيره في طبقة من رجحت كبائرهم بحسناتهم.

فإن طبقة التائبين لم ينفذ فيهم الوعيد لمانع التوبة، وطبقة أصحاب الصغائر لم ينفذ لاجتنابهم الكبائر، وطبقة من رجحت حسناتهم على سيئاتهم لمانع الحسنات، وطبقة من تساوت حسناتهم وسيئاتهم لمانع الحسنات والعفو الإلهي، فلم يبقى إلا من رجحت سيئاته على حسناته[135].

وحاصل هذه الحجة أن المخلطين لا يدخلون في الموازنة، وأن الموازنة في السعداء والأشقياء.

ويناقش هذا بأن المخلطين هم أولى الناس بالموازنة، فإن نصوص الموازنة في الحسنات والسيئات، ولا يمكن أن تهمل حكم المخلطين فيها، وهم أغلب أقسام الأمة، وأكثرها[136]، بل إن الخلف قد وقع في الكفار هل يدخلون في الموازنة أو لا؟ على قولين [137].

وطريقة القرآن في ذكر السعداء والأشقياء ليست في نصوص الموازنة، وإنما في النصوص التي قسمت العباد إلى شقي وسعيد، كقوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 7-11][138].

وأما القول بأن ربط العفو الإلهي بالموازنة لا يحقق عظمة مانع العفو الإلهي، فليس الأمر كذلك، فإن من رجحت سيئاتهم على حسناتهم أصناف كما سبق تحقيقه، وقد يقع العفو على بعضهم كمن كانت ذنوبهم بينهم وبين ربهم تعالى، ولم يجاهروا بها، وبهذا تجتمع الأدلة.

الحجة السادسة: أن القول برد الأمر إلى محض المشيئة الإلهية هو رد إلى مشيئة علمي حكيم، لا يضع العفو والعقاب إلا في محلها اللائق بهما[139].

ولا ريب أن هذا حق، ولكن البحث ليس في ذلك، وإنما الإشكال واقع على القول برد الأمر إلى محض المشيئة، دون النظر إلى مقتضى الحكمة والعدل، والنصوص قد تواترت على تعذيب طائفة من العصاة، وعلى المحاسبة، والموازنة، وعلى أنه يخرج من النار طائفة من العصاة بشفاعة الشافعين، ولا ريب أن مقتضى حكمة أحكم الحاكمين أنه لا يكون من هؤلاء إلا من يستحق ذلك من العصاة[140].

وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يجعل الخلاف في ذلك مبنيا على القول بالموازنة والحكمة والعدل، وهذا نص كلامه تعليقا على قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].

قال شيخ الإسلام: (فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك، وأن المغفرة هي لمن يشاء دل ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك، لكنها لبعض الناس، وحينئذ فمن غفر له لم يعذب، ومن لم يغفر له عذب.

وهذا مذهب الصحابة، والسلف، والأئمة، وهذا القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار، وبعضهم يغفر له.

لكن: هل ذلك على وجه الموازنة والحكمة أو لا اعتبار بالموازنة؟

فيه قولان للمنتسبين إلى السنة من أصحابنا وغيرهم؛ بناء على أصل الأفعال الإلهية، هل يعتبر فيها الحكمة والعدل؟

وأيضا فمسألة الجزاء فيها نصوص كثيرة دلت على الموازنة)[141].

ويختم الكلام بما حرره شيخ الإسلام ينتهي ما وقفت عليه من أدلة وحجج للقولين، ولا ريب أن هذه المسألة من شريف المسائل، وقد تبين من العرض المتقدم في هذا الفصل أن كلا القولين يتفق أصحابه على أن مرد الأمر إلى حكمة الله وعدله وفضله، وهم بذلك فارقوا أهل البدع من المعتزلة والأشاعرة في الإيجاب على الله تعالى، أو تجويز ما لا يجوز في حقه سبحانه.

وتبين أيضا أن ما كان بين العبد وبين ربه تعالى مما لم يجاهر به العبد من الذنوب، فإنه تحت رحمة الله وعفوه.

وأن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده، وكل وعيد في النصوص فهو مشروط بعدم التوبة بالاتفاق[142].

وأن جميع حقوق الآدميين باقية فيما بينهم للمقاصة حتى وإن تاب الظالم، فإن حق المظلوم لا يسقط، وإن كان من تمام التوبة أن يستكثر من الحسنات حتى يكون له ما يقابل حق المظلوم.

لكن يبقى الكلام في من تاب وأخلص، وعجز عن حسنات تعادل حق المظلوم، فهل يجعل عليه من سيئات المظلوم ما يعذب به؟

هذا موضع دقيق، وحقوق المظلومين يوفيها الله تعالى لهم، إما من حسنات الظالم، وإما من عنده تعالى[143].

وهذا يجعل العبد بين الخوف والرجاء، والرهبة والرغبة، والفقيه كل الفقه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله، ولا يجرئهم على معاصي الله[144].

وكما قال العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله إن من رجحت سيئاته على حسناته من الموحدين قد استحق دخول النار إلا أن يمنع من ذلك مانع، من شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم له، أو شفاعة أحد ممن يجعل الله لهم الشفاعة، أو تدركه رحمة الله المحضة بال واسطة، وإلا فلابد له من دخول النار يعذب فيها بقدر ذنبه، ثم مآله إلى الجنة[145].

وعلى كل فإن ما دلت عليه النصوص حق، فمن العصاة من يعفو الله تعالى عنه بفضله، ومنهم من يعذبه بعدله، ورحمة الله تعالى سبقت غضبه، والعفو أحب إليه من العدل، وقد يرضي الله تعالى بكرمه وجوده المظلوم حتى يرضى عن ظالمه، ومن عذب بعد هذا فقد شاء الله تعالى ذلك عدلا، والوعيد متحقق فيه، ومن عفي عنه فقد شاء الله ذلك فضلا، والله تعالى أعلم بأفعاله وأحكامه.

الخاتمة

الحمد لله حق حمده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وبعد: ففي خاتمة هذه الدراسة، يبقى ثمة تقييدات يخرج بها الناظر هذا سياق لبعضها:

أولا: أن مسألة رجحان السيئات على الحسنات من شريف المسائل الجديرة بالبحث والدراسة.

ثانيا: ضلت المعتزلة في إعمالهم نصوص الوعيد دون نصوص الوعد، فأوجبوا إيقاع الوعيد على العصاة، وفي الحكم عليهم بالخلود في النار، وفي دعواهم حبوط الحسنات كلها بما دون الكفر من الذنوب.

ثالثا: أصابت الأشاعرة في حكمهم على مرتكبي الكبيرة بأنهم تحت المشيئة، لكنهم ضلوا في إعمالهم نصوص الوعد دون نصوص الوعيد، وفي نفيهم الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وفي دعواهم منع حبوط الحسنات بالسيئات بما دون الكفر.

رابعا: أن من أعظم معالم منهج أهل السنة إعمالهم للنصوص، والأخذ بما مجتمعة، فإن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضا، وبإعمالها كلها تأتلف ولا تختلف، ومن أعظم النصوص التي يظهر فيها هذا المنهج نصوص الوعد والوعيد.

خامسا: من أصول أهل السنة المتفق عليها عندهم أن أهل الكبائر تحت المشيئة، وأن منهم من يدخل النار، ثم يخرج منها.

سادسا: من القواطع اليقينية المتفق عليها عند سلف الأمة أن أفعال الله تعالى قائمة على العدل والحكمة، وموافقة لما يقتضيها العقل والفطرة.

سابعا: الاستقراء التام لما دلت عليه النصوص يوصل إلى النتيجة الصحيحة، والعناية بما يقرره الأئمة المحققون يعين طالب الحق في الوصول إلى الحق، خاصة فيما ينسب إلى أهل السنة من مقالات.

ثامنا: من منهج أهل السنة قبول الحق حتى ولو قال به المخالف، فإن الحق يقبل ممن قاله، والباطل يرد على من قاله.

هذا بعض ما انتهى إليه النظر في هذه الدراسة، وأسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يهدينا وإخواننا المسلمين لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يرزقنا جميعا التوفيق والسداد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المراجع


* أكاديمي سعودي، أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

[1] مجموع الفتاوى 10/ 570، وينظر: 14/ 234، 16/ 39، 289، والحسنة والسيئة 23.

[2] ينطر: مجموع الفتاوى 8/ 162، 14/ 234، 20 /93، والحسنة والسيئة 23، وشفاء العليل 2/ 901، 902.

[3] ينظر: مجموع الفتاوى 1/* 42، وشفاء العليل 2/* 902.

[4] ينظر: مجموع الفتاوى 8/ 162، 242، 14/ 234-235، والحسنة والسيئة 23- 24، وشفاء العليل 2/  901-902.

[5] ينظر: مجموع الفتاوى 1/ 42، 8/ 64، 15/ 96.

[6] ينظر: مجموع الفتاوى 11/ 259- 260.

[7] ينظر: مجموع الفتاوى 14/ 239، والحسنة والسيئة 29، وشفاء العليل 2/ 906.

[8] ينظر: مجموع الفتاوى 10/ 657.

[9] ينظر: النبوات 1/ 416.

[10] ينظر: مقالات الإسلاميين 1/ 331، وشرح الأصول الخمسة 471، 474، 480، وطريق الهجرتين 2/ 835، 836.

[11] ينظر: شرح الأصول الخمسة 437، 439.

[12] ينظر: شرح الأصول الخمسة 437، 443، 448، 450.

[13] ينظر: مقالات الإسلاميين 1/ 334، 2/ 167، وشرح الأصول الخمسة 449- 450، ومجموع الفتاوى 10/637، وطريق الهجرتين 2/ 835، 836.

[14] ينظر: شرح الأصول الخمسة 421، والمعتزلة وأصولهم الخمسة 155، 160- 162.

[15] ينظر: شرح الأصول الخمسة 422.

[16] ينظر: شرح الأصول الخمسة 425- 427، ومجموع الفتاوى 8/92، والإيمان الأوسط ضمن مجموع الفتاوى 7/ 493، والمعتزلة وأصولهم الخمسة 249.

[17] ينظر في استدلالهم بنصوص الوعيد على حبوط حسنات صاحب الكبيرة، وخلوده في النار: شرح الأصول الخمسة 439- 440،443، 443- 453، 457- 458، 463، ومتشابه القرآن 317، 346، 363، 376، 516، 521، 524، 532، 561، 590، 592، 682، 692.

[18] مجموع الفتاوى 12/ 481.

[19] كذا في الفتاوى، ولعلها: كذلك.

[20] تحرفت في الفتاوى إلى : الربا.

[21] سيأتي في المبحث الأول من الفصل الثاني عند شرح مذهب أهل السنة بعض الأدلة في ذلك.

[22] رواه الإمام أحمد في المسند 8/ 405 رقم 4787، وقال محققوه: صحيح بطرقه وشواهده، وأبو داود في السنن: كتاب الأشربة، باب العنب يعصر للخمر 4/ 82 رقم 3674، والترمذي في الجامع: كتاب البيوع، باب النهي عن أن يتخذ الخمر خلا 4/ 296 رقم 1295، وابن ماجه في السنن: كتاب الأشربة، باب لعن الخمر على عشرة أوجه 2/ 255 رقم 3424.

[23] رواه البخاري في صحيحه: كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من المللة 1169 رقم 6780.

[24] مجموع الفتاوى 12/ 482- 484، وقد اكتفيت بهذا النقل الجليل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في نقض مذهب المعتزلة في خلود العصاة في النار؛ نظرًا لكون مناقشتهم في ذلك ليست مقصودة في هذه الدراسة، ويراجع حول ذلك: المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منهم 256- 264، والكبيرة والآثار المترتبة عليها عند المتكلمين 299- 333.

[25] سورة البقرة، الآية 217.

[26] جامع البيان 2/ 426.

[27] جامع البيان 2/ 426، وينظر: الجامع لأحكام القرآن 3/ 428، وتفسير القرآن الكريم (سورة البقرة)، للشيخ ابن عثيمين 3/ 53.

[28] ينظر: آخر المبحث الأول من الفصل الثاني.

[29] ينظر: أصول الدين، للبغدادي 242.

[30] الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد 329.

[31] ينظر: الملل والنحل 1/ 88.

[32] يراجع في ذلك: مقالات الإسلاميين 1/ 231- 232، ومقالات الأشعري، لابن فورك 145، 146، وأصول الدين، للبغدادي 242- 243، وأصول الدين للبزدوي 131، وعقيدة السلف للشيرازي الملحقة بكتابة الإشارة إلى مذهب أهل الحق 299، وإحياء علوم الدين (كتاب التوبة، الركن الثاني) 4/ 21- 27، والغنية في أصول الدين 170- 172، وقواعد العقائد 204- 206، وتبصرة الأدلة 2/ 766، 792، والإيضاح في أصول الدين 425، 427، 431، والملل والنحل 1/ 88، وأصول الدين للغزنوي 198- 199، وأصول الدين للرازي 131، والشفاعة العظمى يوم القيامة 60،79، 83، 88، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين 95، وتفسير الرازي (مفتاح الغيب) 9/ 112، وتحرير المقال 1/ 242، 244، 257، والتمهيد لقواعد التوحيد 121، 123، وشرح المقاصد 5/148 -150، 156، 158، وشرح المواقف 8/ 340، وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد 279- 281، وشرح الصاوي على جوهرة التوحيد 404- 406 والفصل في الملل والأهواء والنحل 4/83.

[33] يراجع في مذهب الواقفة: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل 403- 404، 410، 415، وقواعد العقائد 256، ومنهاج السنة 5/284.

[34] رواه الإمام أحمد في مسنده 20/ 439 رقم 13222، وقال محققوه: إسناده صحيح، وذكروا تمام تخريجه.

[35] رواه الترمذي في الجامع: كتاب صفة جهنم، باب آخر أهل النار خروجًا وآخر أهل الجنة دخولا 7/ 263 رقم 2601، ونحوه عند مسلم 101 رقم 322/ 193.

[36] أصول الدين، للبغدادي 243.

[37] ينظر: الملل والنحل 1/88، والفصل في الملل والأهواء والنحل 4/84، ومدارج السالكين 1/ 305، وطريق الهجرتين 2/ 837، والنبوات 1/ 471- 474.

[38] ينظر: شرح المقاصد 5/ 142، 143، وحاشية السيالكوتي على شرح المواقف بهامشه 8/ 337.

[39] سورة الحجرات، الآية 2، ويراجع في تأويل الآيات: جامع البيان 26/ 138، ومعالم التنزيل 4/ 198، ومدارج السالكين 1/303 – 304، وتفسير ابن كثير 13/\ 142.

[40] شرح المقاصد 5/ 143.

[41] يراجع في كون الأمر عند الأشاعرة من غير علة ولا حكمة، وأنه لا إحباط دون الكفر: مقالات الأشعري، لابن فورك 130، 131، 142، وأصول الدين للبغدادي 244، والإرشاد إلى قواطع الأدلة 321، 325 ، 327- 328، والغنية في أصول الدين 170- 172، وقواعد العقائد 204- 206، ونهاية الأقدام 397، وأصول الدين للرازي 131، ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين 269- 298، وتلخيص المحصل للطوسي بهامش المحصل 296، 298، والتمهيد لقواعد التوحيد 115، والمواقف في علم الكلام 331- 332، وشرح المقاصد 5/ 143 145، وشرح المواقف 8/ 337، وحاشية السيالكوتي على شرح المواقف بهامشه 8/ 337، والحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى 62- 63، 66 – 75.

[42] في المبحث الثاني من الفصل الثاني.

[43] ينظر: مقالات الإسلاميين 2/ 164.

[44] مجموع الفتاوى 10/ 308.

[45] ينظر: تفسير آيات أشكلت 1/ 363.

[46] سياتي بعون الله ذكر ما جاء عنهم عند إيراد الأدلة.

[47] اعتنى العلماء بسياق النصوص الدالة على دخول طائفة من الموحدين النار، ثم الخروج منها، ومن هؤلاء الآجري رحمه الله في كتاب: الشريعة 3/ 1230- 1242.

[48] طريق الهجرتين 2/ 837- 840، وسيأتي بعون الله تعالى تسمية من حكى الإجماع على هذا القول، ومنهم ابن حزم رحمه الله في المقام الرابع من الأدلة.

[49] ينظر: معارج القبول 2/ 346- 347، وأعلام السنة المنشورة 213- 214.

[50] ينظر: حاشية كتاب التوحيد 51.

[51] ينظر: تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن 330- 331.

[52] المحلى 1/ 30، وينظر مثله في المرجع نفسه 1/ 63- 64، والدرة فيما يجب اعتقاده 341.

[53] مراتب الجزاء يوم القيامة، ضمن الذخيرة من المصنفات الصغيرة 200، وتحرير المقال 1/ 240، 2/ 814- 815.

[54] ينظر: فتح الباري 10/ 504، وسيأتي بعون الله تعالى كلامه مبسوطًا مع اما استدل به.

[55] ينظر: التحرير واتنوير 2/5/83، ويراجع: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/ 93، وتفسير المنار 5/ 192.

[56] ينظر: طريق الهجرتين 2/ 827- 828، 837، 839- 840.

[57] رواه عن ابن مسعود ابن المبارك في الزهد (زوائد نعيم بن حماد) 123- 124 رقم 411، وابن جرير في جامع البيان 8/ 226، وينظر : معالم التنزيل 2/ 105، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/ 309، والدر المنثور 3/ 461.

ورواه عن عباس ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور 3/ 418- 419، ولم أقف عليه في المطبوع من تفسير ابن أبي حاتم، وينظر: طريق الهجرتين 2/

[58] رواه عنه أبو الشيخ كما في الدر المنثور 3/ 419.

[59] الصؤابة بالهمزة: بيضة القمل، والجمع، صؤاب، وصئبان. يراجع: القاموس المحيط 133.

[60] رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 14/ 313، وينظر: الدر المنثور 3/ 463، ويراجع في المروى في ذلك: جامع البيان 8/ 226، ومعالم التنزيل 2/ 105، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/ 309، والدر المنثور 3/ 418- 419، 461، 463، والجامع لأحكام القرآن 9/ 227، والتذكرة بأ؛وال الموتى وأمور الآخرة 2/ 732، والمحرر الوجير في تفسير الكتاب العزيز 407.

[61] ينظر: مدارج السالكين 1/303، 304.

[62] ينظر: مدارج السالكين 1/304، ولوامع الأنوار 1/371.

[63] رواه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه 1059 رقم 6069، ومسلم 1293 رقم 7486.

[64] رواه البخاري في صحيحه: كتاب المظالم، باب قصاص المظالم 393 رقم 2440.

[65] يراجع: فتح الباري 1/92، 128-129.

[66] فتح الباري 10/504، وينظر: معارج القبول 2/345، 357، وأعلام السنة المنشورة 215-216.

[67] فتح الباري 11/406.

[68] ينظر: التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة 2/725.

[69] التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة 2/726، وينظر: جامع العلوم والحكم 1/445.

[70] ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/89، ومجموع الفتاوى 11/184-185، 16/18، وتفسير آيات أشكلت 1/294.

[71] ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/89، ومجموع الفتاوى 16/18، وشرح الأصول الخمسة 460، والتحرير والتنوير 2/5/83.

[72] ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/89، والمحلى 1/63-64، ومجموع الفتاوى 16/18، والتمهيد لابن عبد البر 4/192، وشرح الأصول الخمسة 439، والتحرير والتنوير 2/5/83.

[73] ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/90-91، ولهذا توقف بعض الأشاعرة في أصحاب الصغائر، وخالفوا النصوص، وقالوا يجوز أن يعذب هذا الصنف. ينظر: مقالات الأشعري 162-163، وأصول الدين للبزدوي 143، وشرح الفقه الأكبر 259-260، والمحرر الوجيز 429، والجامع لأحكام القرآن 6/263، وفتح الباري 10/423، ومجموع الفتاوى 14/346، وجامع العلوم والحكم 1/446، وقد توسعت في عرض مذهبهم، والرد عليه في دراسة مستقلة بعنوان (أحكام صغائر الذنوب)، منشورة في العدد (22/2) من مجلة العلوم التربوية والدراسات الإسلامية بجامعة الملك سعود.

[74] ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/88، 92.

[75] ينظر: طريق الهجرتين 2/839.

[76] وهم الأشاعرة كما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الأول.

[77] ينظر النبوات 1/471-474.

[78] ينظر: مقالات الإسلاميين 2/164.

[79] الأصول والفروع 228.

[80] ينظر: طريق الهجرتين 2/827-828، 837، 839-840.

[81] ينظر: التحرير والتنوير 2/5/83-84.

[82] ينظر: موانع إنفاذ الوعيد 208، وسيأتي شرح هذا الرأي عند القائلين به في المبحث الثاني من هذا الفصل بعون الله تعالى.

[83] ينظر: فتح الباري 11/405، وما تقدم من نقول في المقام الثاني، ويراجع أيضا الوجه الأول من الجواب عن الحجة الثانية من حجج أصحاب القول الثاني.

[84] وأما الأشاعرة فتقدم أنهم يردون الأمر إلى محض المشيئة، ينظر: مدارج السالكين 1/305، وطريق الهجرتين 2/837، ويراجع توثيق ذلك من كتبهم في المبحث الثاني من الفصل الأول (مذهب الأشاعرة).

[85] ينظر: مدارج السالكين 1/304-305، وطريق الهجرتين 2/828-829، ويراجع ما تقدم في شرح مذهب المعتزلة.

[86] ينظر: طريق الهجرتين 2/828-829، وجامع العلوم والحكم 1/440، ولوامع الأنوار 1/307.

[87] ينظر: شرح الأصول الخمسة 425-426، ويراجع: المبحث الأول من الفصل الأول (مذهب المعتزلة).

[88] ينظر: فتح الباري لابن رجب 1/184.

[89] ينظر: جامع البيان 26/74، ومعالم التنزيل 4/162-163، وزاد المسير 7/412-413، ومدارج السالكين 1/303-304، وتفسير ابن كثير 13/81.

[90] ينظر: جامع البيان 3/79-80، ومعالم التنزيل 1/258، وزاد المسير 1/318، ومدارج السالكين 1/303-304، وتفسير ابن كثير 2/462.

[91] يراجع: جامع البيان 26/138، ومعالم التنزيل 4/198، ومدارج السالكين 1/303-304، وتفسير ابن كثير 13/142.

[92] رواه البخاري في صحيحه: كتاب مواقيت الصلاة، باب من ترك العصر 93 رقم 553.

[93]  رواه الدارقطني في سننه 3/477-478 رقم 3002، 3003، وقوى إسناده ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين 3/179.

[94] ينظر: مدارج السالكين 1/303-304، 2/25، والصلاة وحكم تاركها 63، 64، ومجموع الفتاوى 10/637-639، وجامع العلوم والحكم 1/440، وفتح الباري لابن رجب 1/184، ولوامع الأنوار 1/379.

[95] ينظر: مجموع الفتاوى 12/483، 16/25، والدرة فيما يجب اعتقاده 343، والفصل في الملل والأهواء والنحل 4/86.

[96] ينظر: الصلاة وحكم تاركها 64.

[97] ينظر: موانع إنفاذ الوعيد 208، ومنهج الإمام الشوكاني في العقيدة 2/626،627، والوعد والوعيد بين أهل السنة ومخالفيهم 2/250-258.

[98] ينظر: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد 244، وموانع إنفاذ الوعيد 209.

[99] ينظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث 276، ويراجع في هذا المعنى: أصول السنة، للإمام أحمد (مع شرحها للشيخ ابن جبرين) 110، والتبصير في معالم الدين 181، وعقيدة السلف مقدمة ابن أبي زيد القيرواني 58، وأصول السنة لابن أبي زمنين 256-257، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/162، 164، 177، 5/1095، والتمهيد لابن عبد البر 16/318-319، وغيرها.

[100] ينظر: لوامع الأنوار 1/389.

[101] ينازع بعضهم في ذلك، ويحكم على من رجحت حسناته على سيئاته، وفيها كبيرة أو كبائر، بأنه تحت المشيئة، ولكن هذا خلاف ما تظافرت عليه النصوص من أن من ثقلت موازينه فهو من المفلحين.

[102] على تفصيل سيأتي بعون الله في من يقع عليه العذاب ممن رجحت سيئاتهم.

[103] يراجع المقام الثاني من أدلة أصحاب القول الأول في معنى الإطلاق بأن العصاة تحت المشيئة.

[104] رواه البخاري في مواضع منها: كتاب التفسير باب {إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} 868 رقم 4894، ونحوه عند مسلم 758 رقم 4463.

[105]  رواه الإمام أحمد في المسند 37/336 رقم 22693 وفيه تمام تخريجه، وقال محققوه: حديث صحيح.

[106] ينظر: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد 237-238، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 5/1059، وموانع إنفاذ الوعيد 204، 206، وتقدم أن هذا النوع من الأدلة هي ما اعتمده الأشاعرة على مذهبهم. يراجع: المبحث الثاني من الفصل الأول.

[107] رواه البخاري، واللفظ له: كتاب التفسير، باب { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} 881-882 رقم 4939، ومسلم 1245 رقم 7227، 7228.

[108] رواه البخاري واللفظ له: كتاب العلم، باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه 23 رقم 103، ومسلم 1245 رقم 7225.

[109] رواه بهذا اللفظ البخاري: كتاب الرقائق، باب من نوقش الحساب عذب 1132 رقم 6537.

[110] رواه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه 1059 رقم 6070، ومسلم 1200 رقم 7015.

[111] ينظر: الحجة في بيان المحجة 2/546-547.

[112] جواب الاعتراضات المصرية 82.

[113] ينظر: طريق الهجرتين 2/828.

[114]  ينظر: التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة 2/725، وفتح الباري 10/504، ومعارج القبول 2/345-357، وأعلام السنة المنشورة 215-216.

[115] ينظر: التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة 2/726.

[116] رواه مسلم في صحيحه 1130 رقم 6580/2582.

[117] رواه البخاري في صحيحه: كتاب المظالم، باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له هل يبين مظلمته 395 رقم 2449.

[118] رواه مسلم في صحيحه 1129-1230 رقم 6579/2581.

[119] رواه الإمام أحمد في المسند 25/430 رقم 16042، وقال محققوه: إسناده حسن، وذكروا تمام تخريجه.

[120] رواه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/970 رقم 5421، وينظر: الدر المنثور 2/557.

[121] رواه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/1337، والدر المنثور 2/557.

[122] رواه ابن جرير في جامع البيان 18/221، وقال ابن كثير: إسناده صحيح، تفسير ابن كثير 10/289.

[123] ينظر: موانع إنفاذ الوعيد 207.

[124] ينظر: موانع إنفاذ الوعيد 209.

[125] رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 6/1053 رقم 1954.

[126] رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 6/1054 رقم 1955.

 [127]رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 6/1073 رقم 2001، وحديث الشفاعة عند البخاري: كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة 1096 رقم 6304، ومسلم في صحيحه 106-107 الأرقام 487-498/197-201.

[128] ينظر: الإيمان الأوسط ضمن الفتاوى 7/487-501، ومنهاج السنة 5/83، 325-326، 6/205-238، والاستقامة 2/185، ومختصر فتاوى ابن تيمية 252، والمستدرك على مجموع الفتاوى 1/124، وشرح العقيدة الطحاوية 2/451-456.

[129] ينظر: الحجة في بيان المحجة 2/286.

[130] ينظر: موانع إنفاذ الوعيد 207.

[131] يراجع: المقام الثاني من أدلة أصحاب القول الأول، والوجه الأول من الجواب عن الحجة الثانية.

[132] ينظر: موانع إنفاذ الوعيد 207.

[133] ينظر في ذلك: الشريعة 3/1230-1242، والشفاعة للوادعي 110-112، 130-158، والشفاعة عند أهل السنة والرد على المخالفين فيها 56-59، وموانع إنفاذ الوعيد 140-144.

[134] ينظر: طريق الهجرتين 1/418، وموانع إنفاذ الوعيد 205-206.

[135] ينظر: موانع إنفاذ الوعيد 206.

[136] ينظر: طريق الهجرتين 1/429-430.

[137] ينظر في ذلك: التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة 2/720-722، وتحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان 61-64، ومجموع الفتاوى 4/305، وروح المعاني 8/454، وتفسير المنار 8/303، وشرح العقيدة الواسطية، للشيخ ابن عثيمين 505، 513-514، والحياة الآخرة 2/959، 3/1173-1179.

[138] وكما في سورة الإنسان، وينظر: طريق الهجرتين 1/429.

[139] ينظر: موانع إنفاذ الوعيد 212.

[140] يراجع المقام الثالث من المبحث الأول من هذا الفصل.

[141] تفسير آيات أشكلت 1/296، ومجموع الفتاوى 16/19.

[142] ينظر: مجموع الفتاوى 16/25.

[143] ينظر: مجموع الفتاوى 16/25-26، 34/173.

[144] ينظر: مجموع الفتاوى 16/20.

[145] ينظر: تيسير اللطيف في خلاصة تفسير القرآن 330-331.

 

cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion abortion pill medical abortion pill online
cytotec abortion buy abortion pill medical abortion pill online
where can i buy abortion pills abortion pill buy the abortion pill online
where can i buy abortion pills click here buy the abortion pill online
medical abortion pill online go abortion pill buy online
where to buy abortion pill go order abortion pill online
women who cheat with married men reasons why women cheat on their husbands cheater
women who cheat with married men reasons why women cheat on their husbands cheater
reason women cheat reasons people cheat
reason women cheat reasons people cheat
read here reasons people cheat
read here reasons people cheat
why women cheat in relationships what to do when husband cheats how many guys cheat
why women cheat in relationships what to do when husband cheats how many guys cheat
I cheated on my girlfriend why do wifes cheat click
I cheated on my girlfriend why do wifes cheat click
want my wife to cheat how many women cheat married cheaters
want my wife to cheat women who cheat on husband married cheaters


أعلى  
 
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...
ما يفترونه من سماع النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخضر ، وبعثه أنس يسأله أن...


فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت...
قال الحافظ ابن القيم "رحمه الله" في فصل عقده لأحاديث مشهورة باطلة من ((نقد المنقول والمحك...
اشتراك
انسحاب